All Chapters of اللقاء المجنون: Chapter 61 - Chapter 70

86 Chapters

الحادي والستون

اندفعت أخيرًا لتكملة اللغز الغامض الذي انطلقت في صدع الزمن. بمجرد أن تلامست الحروف المطبوعة بالعنف باستخدام الورق الصقيل، نهار السقف الزجاجي الذي يعرض أرقام المبيعات، ومعه تلاشت الرف الشافهقة والخطوط الثائرة التي تلوثها رماد نفضته ريح عاتية. لم يقع عماد في الفراغ لغوي هذه المرة باللون الأخضر، بل شعر بارتطام جسده الصلب بكرسي بلاستيكي اللون. استنشق غريبًا ثقيلًا مخنوقًا برائحة عوادم السيارات، وصوت كلكيت الميكروباصات، وراخاخ عرقسوس يتجول في ليل القاهرة الخانق. لقد وهبوا إلى أرض الواقع. ليست الرواية الحقيقية، بل هي الرواية الشعبية المصرية الحقيقية، وتحديداً في "مقهى تكعيبة" بالممر المحاذي لشارع هدى شعراوي وسط البلد. كان الوقت يتجاوز منتصف الليل، والطقس رطباً وحاراً، والناس من حولهم يجلسون ويدخنون الشيشة ويتحدثون في السياسة وأسعار العروض بلامبالاة عابرة. جلسة عماد على الكرسي، يتصبب عرقاً حقيقياً لزجاً، ولم الحبر الأزرق العادي في جيبه قد حبره ولوّث قميصه ببقعة دكنت فوق قلبه. بجانبه، كانت سارة تجلس على مقعد مجاور، ومع ذلك لم تظهر ملابس عسكرية ولا تحمل الملف الأصفر؛ كانت ترتدي رداء نسائي أ
Read more

الثاني والستون

سحب مالك القلم من بين أصابع عماد برعشة عنيفة، واضعاً سنه على ظهر العقد. كان الصمت المطبق الذي خيّم على الطاولة أثقل من أن يتحمله بشر. لكن قبل أن يخط مالك حرفاً واحداً، وقعت خطى ثقيلة، منتظمة، آتية من عمق الممر المظلم، لتكسر حدة المشهد.ظهر من بين الظلال رجل مسن، يرتدي حلة رمادية مهترئة تعود لثقبة التسعينيات، ويربط عنقه بخيوط صوفية خشنة، حاملاً في يده حقيبة دبلومات جلدية سوداء. لم يكن وهماً هذه المرة، بل كان الأستاذ رفعت بشحمه ولحمه، ملامحه خطتها تجاعيد السنين الحقيقية، وعيناه لم تعودا زجاجيتين، بل كانتا تحملان عتاباً حياً.انعقد لسان عماد، بينما شهقت سارة وهي تتراجع خطوة للخلف: "الأستاذ رفعت؟! أنت... أنت عايش؟"التفت رفعت نحو نجوى، متجاهلاً ذهول الشباب، ووضع حقيبته الثقيلة فوق عقد الإخلاء مباشرة، ليحجب السطور الباردة. قال بصوت هادئ يحمل نبرة القانون القديم: "البيوع التي تبنى على الإكراه والتدليس باطلة يا أستاذة نجوى. شقة الست سارة ليست إيجاراً قديماً عادياً، هذا العقار مسجل كأثر لغوي ومعماري، ولا تملك أي شركة استثمار حق هدمه بموجب قرار المحافظة الصادر الأسبوع الماضي. وأخو سارة باع لكِ
Read more

الثالث والستون

امتد الليل على تلك الردهة القديمة كأنه ثوب حريري ثقيل، ورغم رحيل نجوى وتراجع المعلم صبحي، إلا أن الهواء ظل مشحوناً برائحة الورق العتيق والحبر، وبأنفاس العائدين من غيابات الموت والنسيان.وقف عماد وسارة في مواجهة الأستاذ رفعت وابنه كريم. كان المشهد أشبه بلوحة زيتية مرسومة بعناية؛ إضاءة الممر الخافتة تسقط على تجاعيد وجه رفعت التي تحكي قصة سنوات من القهر المحتجب خلف دهاليز البيروقراطية، بينما كان كريم يقف بجانبه كعمود رخامي صلب، يمثل الحاضر الذي جاء لينتزع الحق من براثن الماضي.كسر الأستاذ رفعت الصمت المطبق، والتفت إلى سارة وعماد وعيناه تلمعان ببريق لم يطفئه الزمن:> "يا أولادي، الجدران دي مش مجرد حجر وطوب. دي تاريخنا، دي شقا عمرنا اللي افتكروا إنهم يقدروا يمحوه بجرّة قلم أو بعقد مزور."> اقتربت سارة خطوة، كانت نبضات قلبها مسموعة في سكون المكان، ومشاعر جارفة من الأمان المختلط بالدهشة تسيطر عليها. نظرت إلى كريم، الشاب الذي غادر الحي طفلاً صغيراً وعاد اليوم كفارس إنقاذ. قالت بنبرة متهدجة:"كريم... أنا مش قادرة أصدق. كل السنين دي، وإحنا فاكرين إننا لوحدنا في مواجهة الحيتان دي."ابتسم كريم ا
Read more

الرابع والستون

انفتحت بوابة الجحيم في الطوابق السفلية للعقار، وتحول السلم الخشبي العتيق إلى مسرح لصراع صامت وشرس. تداخلت أنفاس الحاضرين في الطابق العلوي مع أصوات تحطم الخشب المكتوم ووقع الأقدام الثقيلة. لم يكن هناك مجال للتراجع؛ فقد أصبحت اللعبة أكبر من مجرد جدران وأعمدة، إنها معركة بقاء وهُوية.تنحى المستشار عاصم جانباً، مظهراً ثباتاً انفعالياً غريباً، وعيناه تراقبان مدخل الممر عبر نظارته الدقيقة. أشار بيده نحو الأستاذ رفعت قائلاً بصوت خفيض وحازم:> "رفعت... السرداب. مفيش وقت، هما مش جايين يقبضوا علينا، هما جايين يمحوا الأثر ومين فيه."> تحرك الأستاذ رفعت بخطوات أسرع مما تبدو عليه سنه، وكأن الخطر أعاد لجسده المهترئ حيوية الشباب. قاد المجموعة نحو نهاية الممر، حيث تقبع خزانة حائطية خشبية ضخمة كانت تبدو دائماً كجزء مهمل من أثاث المبنى. بلمسات خبيرة وضغطات متتالية على زوايا مخفية في الخشب، تحركت الخزانة بصرير خفيف، مظهرة خلفها باباً حديدياً صغيراً يعلوه الصدأ، ينحدر لأسفل في ظلام دامس.كريم، الذي كان يحمل مصباحاً يدوياً قوياً أخرجه من حقيبته، تقدم المجموعة وقال بنبرة حادة:"أنا هقود الطريق. عماد، خليك
Read more

الخامس والستون

انفتحت لك مساحة واسعة عن مناطق فيفيوح برائحة الرطوبة والعفن والطين القرون الغبرة. كان النفق ممتداً نحو السيدة عائشة ضيقاً، جدرانه حجرية امبولة تفرز عرقاً مالحاً يعكس ضوء كريم المتدرب. ومن خلفهم، كان الصرير المعدني لآلات كسر الباب الحديدي يتردد في الرؤوس كضربات مقصلة تقترب. ديب دليل عاصم خطوتين، ظهره مستند إلى كتلة حجرية بارزة، وبيده مرشد شفوي قصير، بدايات واسعة واسعة، لكبريائه القديم. لم تهتز نبرته وهو يوجه حديثه للأستاذ رفعت: > "يا رفعت، خد الولاد وامشي. النفق آخره نور، إن وأنا آخري هنا. الجنرال مراد لازم يلاقي الشاب أو يواجه طلقة تصدق اللعبة غالية." > التفت إليه رفعت، وعيناه اللتان رتثتهم السجون بالصبر تشعان برفض. تقدم خطوة وثبت باليد الارتعاشية على كتف عاصم: > "طول عمرك بتفكر بمنطق المحكمة يا عاصم.. حكم بالإعدام أو براءة. القانون هنا مات، تحت الأرض مفيش غير قانوني المميزة. لو سيبيناك، مراد مش هياخد جثتك، هياخد القارئ بالاعترافات. هنمشي سوا، أو نتردم سوا." > في تلك اللحظة، هدرت الضربة الأولى المخترقة للباب الحديدي في السرداب الملكي، وتطايرت شظايا الصدأ كشرر الأحمر. صرخت سار
Read more

السادس والستون

دوى صوت الطلقة الأولى في جوف النفق، فلم يكن مجرد فرقعة معدنية، بل كان انفجاراً مكتوماً مزق الصمت المزمن للجدران الحجرية. ارتد الصدى عن الحجر الجيري العتيق، حاملاً معه رائحة البارود المحترق التي اختلطت برائحة العفن وطين القرون الماضية.تراجع المستشار عاصم خطوة إلى الخلف، يده التي تقبض على المسدس الأوتوماتيكي كانت ثابتة بثبات غريب، لكن عروق جبهته الناتئة كانت تنبض بعنف. نظر إلى كريم، ابنه الروحي ورفيق المعركة، وقال بنبرة انصهر فيها الخوف بالأمر الملتزم:> "كريم! مفيش وقت للمشاعر دلوقتي.. الطلقة دي كانت مجرد جس نبض، هما عرفوا إحنا فين بالظبط. اسحب سارة وأبوك واطلعوا لفوق، البير ده هو تذكرتكم الوحيدة للحياة!"> لكن كريم لم يتحرك. انخلع قلبه وهو يرى والده، الأستاذ رفعت، يستند بجسده الهزيل على الحائط الرطب، وصدره يعلو ويهبط في نوبة ربو حادة أثارتها رطوبة النفق وغبار الرصاص. انحنى كريم فوق والده، ممسكاً بكتفيه بوعي ممزق بين غريزة الابن وحتمية القائد:"مش هسيبك هنا يا فندم.. مش بعد كل السنين دي، مش بعد ما فهمت إنت كنت بتعمل إيه عشاننا. لو هنموت، يبقى وشنا ليهم، مش ضهرنا!"في تلك اللحظة، تجلت
Read more

السابع والستون

كان صوت أجنحة بدون طيار (الدرون) وكفحيح أفعى معدنية معلقة في سماء الفجر الجديدة. في باطن حوش المقابر العتيق، فادنتاس الأنف؛ فالظل الذي بدأه هيكلها، يمر من فوق فتحات السقف، يمسح الشواهد الحجرية والممرات الترابية بضوء أحمر غير مرئي، متنقل عن دفء الأجساد في وسط الموتى. أطفأ كريم مصباح هاتف عماد بسرعة، ليعود المكان إلى ظلمة حالكة إلا من خيوط الستار الأولى التي بدأت ت بروتوكول عبر شقوق البابي المتهالك. همس كريم وهو يضغط على عدده النازفة البداية: > "الدرون دي مش بتاعة الشرطة.. دي درون تكتيكية، تبعًا لأنظمة الأمن الخاصة اللي بيديرها مراد. حيث تحددوا مكاننا بالبصمة الحرارية. لو فضلنا هنا أقل من دقيقة كمان، الكوماندز بتوعه هيكونوا محاصرين المدافن بالكامل." > استقام الأستاذ في جامعة ساوثرنه، وبدت عليه علامات مرهقة للغاية، لكن كانتا تشعان بذكاء حاد لم طفئه المرض. احتضنت كمية كبيرة وقال بصوت خفيض: "العم التربي يعرف سراديب المقابر دي زي كف إيده. المدافن دي مش مجرد أحواش بروتين، دي شبكة ممرات تحت الأرض أتبنت في العصر المملوكي لذلك مصطفى يريد بين مقابر الصالحين وبيوت المجاورين. مصطفى... إحنا م
Read more

الثامن والستون

لم يكن رنين الهاتف الأرضي في عمق القنصلية الفرنسية المهجورة مجرد صوت؛ كان بمثابة نبض غريب انبعث في جسد ميت. أحدث الرنين صدىً تردد بين الجدران المغطاة بورق حائط مقشر يعود لسبعينيات القرن الماضي، وتسلل عبر النوافذ الزجاجية المتسخة ليتشابك مع أنفاس عماد وسارة والأستاذ رفعت المتلاحقة، وهم يقفون على أرض "دبلوماسية" لا تحميهم إلا بالاسم، بينما يفصلهم سور حديدي واحد عن جحيم مطبق.على الرصيف الخارجي، كان الزمان قد تجمد بالنسبة لكريم. كان ظهره مسنوداً إلى حديد السور، يده السليمة تضغط على جرح ذراعه النازف، وعيناه مثبتتان على فوهة طبنجة اللواء مراد التي لم تكن تهتز مليمترًا واحدًا.ابتسم مراد ابتسامة باردة، ولمحت عيناه الحبر الأزرق الذي ما زال يلطخ يده من أثر القلم المكسور في مكتبه، كأنه يرى في ذلك الحبر نبوءة بانتهاء الحقبة الحالمة التي يمثلها الأستاذ رفعت وكتبة الأوهام مثل عماد. قال مراد بصوت منخفض، كأنه يلقي حكماً تاريخياً:"أبوك عاش طول عمره يفتش في الدفاتر القديمة يا كريم، وفاكر إن العقود المحررة من مئات السنين تقدر توقف بلدوزر عايز يبني مستقبله. المستقبل ملوش قلب يا ابن رفعت.. المستقبل للي
Read more

التاسع والستون

لم يخرج اللواء مراد والست نجوى مكلّمين بالكلابشات الحديدية من الأمام أسوار الفرنسية القديمة نهايةً للإعصار، بل كان مجرد هدوء مؤقت في مركز العاصفة التي بدأت خيوطها تنبثق من أزمنة بعيدة لم يكن عماد أو كريم يتوقعان أن يطرقها أبوابها. بينما كانت سيارات الشرطة الرسمية تبتعد بنجوى ومراد، دلف إلى حديقة الغواصة رجل لم تلحظه العيون وسط المعمعة. كان يجب أن يكون معطفاً موثوقاً لا يتناسب مع حرارة الجو، ويمسك في يده بركة من عظم الكهرمان، ملامحه هادئة فجأة يفرحة، وعيناه يتحمل نظرة صقر عجوز يعرف مخابئ الطّرائد كلها. وقف على قدمين من الأستاذ رفعت، الذي كان مستلقياً على العشب الجاف يحاول التقاط أنفاسه بمساعدة سارة وكريم. تطلع الرجل العجوز إلى رفعت، وحركه حبات سبحته علوم صوت شديد رتيب قاطع صخب المكان، ثم قال بنبرة أجشة: "لسة زي ما إنت يا رفعت..تفت بككر إنك لما راس محترف، البطن هتموت. مراد ونجوى مكنوش إلا مجرد 'قشرة'.. السراديب اللي إنتوا طلعتوا دي، لـ فيها خصوصية المكانين." انتفض الأستاذ رفعت رغم ألمه، واتسعت عيناه بنظرة رعب لم يظهرها حتى عندما أطلقت طبنجة مراد متشوقة إليها. همس بصوت يرتجف: "يوسف؟
Read more

السبعون

اندفع الثلاثة إلى البهو كمن يخرج من الحريق، ليتسمروا في أماكنهم عند عتبة باب الخشبي الضخم للقنصلية. لم تكن هناك قوات شرطة، ولا سيارات رباعية الدفع تابعة لمراد. أولا من ذلك، كانت ميامي سيارتان كاديلاك سوداوان بزجاج معتم العمال، وبجوار المحرك وقف ثلاثة رجال تكريما لسيدتي غريبة تحمل شارات فضية منقوشة عليها "هيئة الأوقاف المشتركة – حماية الأصول الدولية". كان الأستاذ الأسود يرفعت صراحةً على مقعد خشبي قديم في الزاوية، وبجواره امرأة في أواخر الأربعينيات، ترتدي نظارات طبية بإطار ذهبي صارم، وشعرها لطيف ودقيق وراءها. كانت متمسكة بملف جلدي الأحمر، وتنظر إلى رفعت بنظرة مستسلمة من أي تعاطف. "أنتوا لسة عايشين؟" قالت المرأة بنبرة صوت رخيمة ومستقرة، وهي تغلق الملف الجلدي بضربة واحدة أحدثت صدى في البهو. "أنا دكتورة 'فريدة من الأنصار'.. مفتش اللجنة العامة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار المتروك. اللواء مراد والست نجوى كانوا مجرد موظفين تنفيذيين عندنا لمقاومة منطقة أفريقيا، وتجاوزوا صلاحياتهم باللجوء للسلاح والبلطجة.. وعشان كده النظام استغنى عنهم." تقدم عماد خطوة بخطوة، وحقيبة وأوراق أصلية مشدودة في مت
Read more
PREV
1
...
456789
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status