All Chapters of عهد الدم والحرير: Chapter 61 - Chapter 70

105 Chapters

61

الفصل الحادي والستونظلال الانهيارإيلاراالظلام كان كثيفاً، ثقيلاً، يضغط على صدري كأن يداً حديدية تحاول خنق ما تبقى من حياتي. سمعت أصواتاً مشوشة تتردد في أذنيّ كصدى بعيد، ثم شعرت بأصابع باردة تمسك معصمي. حاولتُ فتح عينيّ، لكن الجفون كانت ثقيلة كالرصاص.جسدي يئن من الألم الخفيف الذي ينتشر في كل مفصل، معدتي فارغة تماماً كأنها حفرة سوداء، والدوار يدور في رأسي كعاصفة لا تهدأ.كيف وصلتُ إلى هذا الحال؟ كنتُ أعاقب نفسي بصمت منذ أسابيع، أرفض الطعام يوماً بعد يوم، أترك الجوع يأكل مني حتى أصبحتُ ظلاً شاحباً من الفتاة التي كنتُها. الآن، أنا ملقاة هنا، على حافة الانهيار، في قصر هذا الرجل الذي يحبّني بطريقة تدمّرني."نبضها ضعيف جداً... ضغط الدم منخفض... تحتاج تدخلاً فورياً." كان الصوت مألوفاً، يحمل نبرة مهنية هادئة. رفعتُ جفوني بصعوبة بالغة، والضوء الخافت في الغرفة أذى عينيّ المحتقنتين.كان الطبيب أليساندرو يقف بجانب السرير، معطفه الأبيض النظيف يلمع تحت ضوء المصباح العتيق. عرفته فوراً. كيف لا أعرفه؟ عملنا معاً لأشهر طويلة في برج الطبي، في الجناح السري الذي يعالج إصابات "رجال المهام" كما يسميهم
Read more

62

الفصل الثاني والستونحضن دافئإيلاراتراجع أخيراً بتردد واضح، لكنه لم يغادر الحمام تماماً. وقف عند الباب نصف مغلق، ظهره لي، يعطيني خصوصية نسبية. خلعتُ الرداء الحريري ببطء مؤلم، وانزلقتُ في الماء الدافئ. الدفء غمرني فوراً، يرخي العضلات المتيبسة، يذيب بعض الجليد في روحي المتعبة. أغمضتُ عينيّ، وتركتُ الرائحة الهادئة تأخذني بعيداً لدقائق.بعد دقائق قليلة، سمعتُ خطواته تقترب بهدوء. فتحتُ عينيّ، فرأيته يجلس على حافة الحوض مباشرة، يمسك إسفنجة ناعمة مبللة. "سأغسل شعركِ... لا تجهدي نفسكِ.""ابتعد عني..." همستُ، لكن صوتي خرج ضعيفاً.لكنه لم يستمع. غمر الإسفنجة في الماء، وبدأ يمررها بلطف شديد على كتفيّ العاريين، حركات بطيئة دائرية، حذرة كأنه يخشى أن يحطمني بأي لمسة. لم تكن لمسته شهوانية هذه المرة، بل حنونة عميقة، مليئة بالندم والخوف من الفقدان.أصابعه القوية دلكت رقبتي بلطف، تنزع التوتر المتراكم لأسابيع، ثم انتقلت إلى شعري، يغسله ببطء، يدلك فروة رأسي بأطراف أصابعه بطريقة تجعلني أرتجف. كان قريباً جداً، أنفاسه الدافئة تلامس بشرتي المبللة، صدره يرتفع وينخفض ببطء.ارتجفتُ، جزء مني يريد أن يذوب في هذ
Read more

63

الفصل الثالث والستونأصبحنا مزحةكارلوالشمس تشرق على قصري كأنها تسخر مني ببريقها الذهبي الذي يخترق النوافذ العالية.جلستُ في مكتبي المظلم رغم الصباح الباكر، أمسك كأساً من الويسكي القديم الذي لم يعد يخفف شيئاً من الضجر الذي يأكلني كالنار الهادئة في صدري.بعد ليلة طويلة مليئة بالرعاية المستمرة لإيلارا، تلك اللمسات الحانية في الحمام حيث غسلت شعرها بيديّ ودلكت كتفيها المتوترة، وحضنها الضعيف الذي لم يكن استسلاماً حقيقياً بل مجرد إرهاق جسدي وعاطفي، استيقظتُ وأنا أشعر بثقل العالم كله على كتفيّ.هي تتحسن جسدياً بفضل المحلول الذي يغذي عروقها الضعيفة والرعاية الدقيقة التي أقدمها لها، لكن قلبها لا يزال مغلقاً في وجهي كباب حديدي لا يلين. كل كلمة أقولها، كل لمسة أقدمها، تُقابل بجدار من الجليد الذي يزداد سمكاً يوماً بعد يوم.نهضتُ بغضب مكبوت يغلي في عروقي وخرجت إلى الصالة الكبرى. ماركو كان هناك، يقف كالتمثال المنحوت كعادته، يراقب كل شيء دون أن يتكلم إلا إذا لزم الأمرنظر إليّ نظرة واحدة فهم كل شيء. "سيدي، تبدو كمن لم ينم طوال الليل.""اجلس، ماركو." أمرته وجلستُ على أحد الكراسي الجلدية الفاخرة المصن
Read more

64

الفصل الرابع والستونأنا والحقيقة التي تحرقإيلاراتركتُ فيوليتا تبتعد بخطواتها السريعة، وشعرتُ بثقل نظرة كارلو عليّ قبل أن يصل إلى الطاولة. كان النسيم الصباحي لا يزال يحمل رائحة الياسمين، لكنه الآن يبدو لي مثقلاً برائحة التوتر. جلستُ مستقيمة، أمسك كوب الشاي الدافئ بين يديّ كدرع صغير، وأنا أراقب كارلو يسحب الكرسي بجانبي بهدوء متعمد يخفي غضبه."إذا حضر جنس الرجال..." قلتُ بتهكم خفيف، محاولة أن أبدو هادئة رغم أن قلبي كان يدق بعنف.ابتسم ابتسامة حزينة، تلك الابتسامة التي كانت في الماضي تذيب جليدي، لكنها اليوم تثير فيّ الغضب أكثر، وأكمل الجملة "غضبت النساء."نظرتُ إليه طويلاً. عيناه الداكنتين تحملان تعباً لم أره من قبل، لكنني لم أسمح للشفقة أن تتسلل. "أنتِ وفيوليتا تتامرون ضدي أناو ماركو.""أنت ملك المؤامرات، كارلو. ولستُ أنا." "بل انتِ ملكة المؤامرات، أنظري لحالي أنا وذلك المسكين، ألا تشفقين علينا؟كانت الكلمات تبدو مرحة، لكن تحتها كان هناك شيء أعمق. خوف من أن أبتعد أكثر. شعرتُ بالغضب يغلي في صدري كالنار التي لم تنطفئ منذ أسابيع. كل تلك الرعاية في الحمام، غسل شعري بيديه، حضنه الدافئ..
Read more

65

الفصل الخامس والستونأنا وظنوني التي لا تكذبإيلارااستيقظتُ ببطء، كأن الوعي يتسلل إليّ من خلال طبقات من الدفء والتعب. كان جسدي مستلقياً في حضن كارلو، رأسي على صدره، يداه تحيطان بي كقضبان من حديد مغطاة بالحرير.كانت رائحته تملأ الغرفة: مزيج من الويسكي القديم، والخشب، والعرق الخفيف الذي يترك أثراً بعد ليلة طويلة من اللمسات الهادئة والكلمات القليلة.تنفسته بعمق، محاولة أن أحتفظ بهذه اللحظة قبل أن يعود العالم بكل ثقله.مددتُ يدي ببطء لألمس وجهه، لكن أصابعي لم تجد سوى الوسادة الباردة. فتحتُ عينيّ فجأة. السرير فارغ بجانبي. الشمس كانت قد ارتفعت قليلاً، تخترق الستائر الثقيلة بخيوط ذهبية رفيعة. جلستُ، أمسكتُ الغطاء على صدري، ونظرتُ حولي. لا أثر له. فقط رائحته المتبقية في الهواء، وورقة صغيرة مطوية على الطاولة بجانب السرير مع صينية الفطار.نهضتُ بسرعة، قلبي يدق بتوتر غريب. أمسكتُ الورقة بأصابع مرتجفة قليلاً وفتحتها. خط كارلو القوي، الحاد، كأنه يُكتب أوامر لا رسائل حب:«إيلارا حبيبتي، اضطررتُ للذهاب إلى قصر الاجتماعات. اجتماع مهم مع القادة. لن أجتمع بهم هنا في قصري إلا للضرورة القصوى. لن أسمح ل
Read more

66

الفصل السادس والستونتوابع الثقةإيلاراكنتُ أقف في الظل، خلف الباب الموارب قليلاً، أراقب كل شيء بصمت. قلبي يدق بهدوء، لكنه يحمل داخلَه عاصفة من الأسئلة.المنزل كان هادئاً في هذه الساعة الباكرة، والأضواء النهارية تلقي ظلالاً طويلة على الجدران الخشبية الداكنة. أنا لم أستطع مقاومة الفضول الذي دفعني للتجسس على هذا اللقاء.ماركو يقف مستقيماً أمام اليسترو، ذلك الرجل الغامض الذي يبدو أنه يحمل أسراراً أكثر مما ينبغي. الدفتر في يد ماركو، جلدُه الأسود لامع تحت ضوء الشمس الخافت القادم من النافذة الجانبية، كأنه يخفي بين صفحاته كوارث ستحل على رأس القصر ومن يمسكه."ماذا يوجد في هذا الدفتر؟" سأل اليسترو بصوت هادئ، لكنه حاد كشفرة سكين. عيناه الثاقبتان تتفحصان الدفتر كأنه يحتوي على سر يمكن أن يغير مجرى كل شيء.كان أليسترو طويلاً، يرتدي بدلة سوداء أنيقة تبرز ملامحه الحادة، وشعره المصفف بعناية يعكس شخصية رجل يسيطر على كل تفصيلة في حياته.وقف ماركو دون أن يرتجف. وجهه كالحجر، لا تعبير يفلت منه. كان ماركو دائماً هكذا: صامت، موثوق، كأنه جزء من الظلال نفسها. "لا أعرف. والزعيم لا يعرف أيضاً. ولا يريد أن يعرف،
Read more

67

الفصل السابع والستون همسات الرغبةإيلارا لا أزال أشعر بثقل الحديث مع فيوليتا يضغط على صدري وأنا أغلق باب غرفتها بهدوء. عيناها المليئتان بالرعب والخوف لم تفارقاني بعد. كان وجهها الشاحب يطاردني، يذكرني بنفسي في الأيام الأولى، عندما كنت أبني جدراناً عالية حول قلبي خوفاً من أي لمسة أو اقتراب.تنهدتُ بعمق، ومشيتُ في الممر الطويل المفروش بالسجاد الفاخر الأحمر الداكن، الذي يمتص خطواتي تماماً. الجدران الخشبية المزخرفة بأعمال فنية قديمة كانت تلقي ظلالاً طويلة تحت أضواء الثريات الخافتة.أردتُ أن أصل إلى غرفتي لأبدل ثيابي قبل عودة كارلو. اليوم كان طويلاً، مليئاً بالتوترات والأسرار والمحادثات الثقيلة، وجسدي كان يحتاج إلى لحظة هدوء بسيطة... ولحظة إغراء خاصة لكارلو.كنتُ أسير في الممر متجهة نحو غرفتنا الرئيسية، أفكر في كل ما حدث: اليسترو والدفتر الأسود، تعبيرات وجه ماركو الحجرية، خوف فيوليتا العميق.فجأة.... سمعتُ خطوات خفيفة تقترب من الجهة المقابلة. رفعتُ نظري ورأيتُ صوفيا قادمة نحوي. كانت ترتدي ملابس أنيقة عملية، جاكيت أسود رفيع وبنطال داكن، وتحمل بعض الأوراق في يدها."مساء الخير، إيلارا،" قالت
Read more

68

الفصل الثامن والستونظلال الشوقكارلواستلقيتُ على السرير الكبير، جسد إيلارا ملتصق بجسدي تماماً، عرقنا يختلط برائحة الياسمين والرغبة. أنفاسها الهادئة كانت تدغدغ عنقي، ويدي تتحرك ببطء على ظهرها الناعم، ترسم دوائر خفيفة على بشرتها التي لا تزال تحترق من لمساتي السابقة.كانت تلك اللحظات هي الملاذ الوحيد الذي أجد فيه سلاماً حقيقياً وسط عالم مليء بالدم والخيانات والظلال التي لا تنتهي."أنتِ سحرتني الليلة، إيلارا..." همستُ في شعرها المبعثر، أشم رائحتها العميقة. الفستان الأسود الحريري الذي خلعته ببطء شديد كان ملقى على الأرض الآن كشاهد صامت على استسلامنا المتبادل.ابتسمتُ، أتذكر نظرتها الشقية عندما نزلت إلى قاعة الطعام مرتدية ذلك الفستان الذي يبرز كل منحنى في جسدها بجرأة. كانت تعرف جيداً ما تفعله بي. وأنا لم أستطع المقاومة.رفعتُ ذقنها بلطف بإصبعي، وقبلتُ شفتيها قبلة هادئة طويلة، مليئة بالحنان بعد العاصفة، تنهدتْ ودفنت وجهها أكثر في عنقي، أصابعها تتحسس ندوبي القديمة على صدري. لم أنم تلك الليلة بسهولة. رغم الإرهاق الجسدي العميق، كان عقلي يدور بلا توقف. اجتماع اليوم مع القادة كان متوتراً وطويلاً
Read more

69

الفصل التاسع والستونظلال الخيانةإيلاراكنتُ جالسة بجانب فيوليتا في غرفتها الدافئة، الشمس الصباحية تخترق الستائر الثقيلة بلطف، ملقية أشعة ذهبية خافتة على السرير الكبير.كانت فيوليتا لا تزال ضعيفة، بسبب إرهاق الحمل، وجهها شاحب لكنه يحمل بصيص أمل بعد حديثنا الطويل. أمسكتُ بيدها النحيلة، أحاول تهدئتها، بهدوء وثبات، رغم أن قلبي كان يدق بتوتر خفي."ستتحسنين، فيوليتا، أنا هنا معكِ، لن أترككِ وحدكِ." همستُ لها، صوتي ناعم. ابتسمتْ ابتسامة ضعيفة، أصابعها تضغط على يدي قليلاً. كنا نتحدث عن أيامها الأولى في هذا العالم المظلم، عن الخوف الذي يلازمها، وعن كيف أن وجودي أصبح لها سنداً. كانت الغرفة هادئة، رائحة الزهور الطازجة تملأ الهواء من المزهرية بجانب النافذة.فجأة... انفجر صوت إطلاق نار في الخارج. طلقات متتالية، حادة، مدوية، كأنها تقطع نسيج الصباح الهادئ. قفزتُ من مكاني، قلبي يتسارع. اندفعتُ نحو الشرفة المطلة على الحديقة الواسعة، أسحب الستارة بسرعة.ما رأيته جعل دمي يتجمد. رجال ملثمون يركضون في الحديقة، أسلحتهم الآلية تلمع تحت الشمس. دخان يتصاعد من جهة الأسوار الخارجية، وأصوات صراخ رجال كارلو تمتز
Read more

70

الفصل السبعونظلال الهربإيلاراكانت الرياح الباردة تهب بقوة على وجهي من خلال النافذة المفتوحة جزئياً في السيارة التي سرقتها من موقف سيارات قصر سالفاتوري.الزجاج الأمامي يعكس وجهي الشاحب، عيناي المنتفختان من قلة النوم، وشعري المبعثر يلتصق بجبيني المبلل بالعرق رغم برودة الليل.الطريق الريفي المهجور امتد أمامي كشريط أسود لا نهاية له، مليء بحفر صغيرة تجعل السيارة ترتجّ بعنف كل بضعة أمتار. القمر الخافت، شاحب كوجه ميت، يلقي ظلالاً طويلة مشوهة على الأشجار الكثيفة التي تحيط بالطريق كجدران حية تتربص بي.قلبي يدق بعنف، كأنه يحاول الخروج من صدري. يداي تمسكان بعجلة القيادة بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعي. نظرتُ في المرآة الخلفية مراراً وتكراراً، خائفة من أي ضوء مصابيح يظهر في الأفق، أو صوت محرك يقترب. كل ظل يتحرك بين الأشجار كان سالفاتوري أو رجاله، أو أليسترو في خيالي المضطرب.توقفتُ أخيراً عند محطة وقود مهجورة، لوحتها الصدئة تتمايل مع الريح وتصدر صريرًا مخيفًا. الهواء يشم رائحة البنزين القديم والتراب الرطب. هرعتُ نحو هاتف عمومي قديم معلق على جدار المحطة، أصابعه المتجمدة بالبرد تجعل أزراره ثقيلة. اتص
Read more
PREV
1
...
56789
...
11
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status