All Chapters of عهد الدم والحرير: Chapter 71 - Chapter 80

105 Chapters

71

الفصل الحادي والسبعونظلال الفقدانكارلوكانت الرياح الجبلية القارسة تهب بقوة عبر الغابات الكثيفة المحيطة بالمنزل، تحمل معها رذاذ الثلج الخفيف الذي يتساقط كأنفاس الشتاء الباردة، ورائحة الصنوبر الرطب الممزوجة بعبق التراب المتجمد.وقفتُ على الشرفة الحجرية الواسعة لهذا المنزل السري الذي بنيته قبل سنوات طويلة، أمسك بدرابزين الخشب الثقيل بيدي اليمنى حتى ابيضت مفاصل أصابعي.المنزل من الخارج يشبه كوخاً كبيراً، جدرانه الخشبية الداكنة مغطاة بطبقة رقيقة من الثلج والطحالب الخضراء، مدخنته الحجرية تتصاعد منها دخان خفيف، ونوافذه الصغيرة تضفي عليه طابع التواضع والاندماج مع الطبيعة.أما من الداخل، فهو قصر صغير محصن بالكامل: جدران داخلية معززة بألواح فولاذية سميكة، أنظمة مراقبة إلكترونية متقدمة مخفية في كل زاوية، أبواب مقاومة للرصاص، مخازن أسلحة ضخمة تحت الأرض، وغرف فاخرة مجهزة بأحدث التقنيات والراحة.كان هذا المكان مثالياً لحماية فيوليتا بعد الهجوم الذي دمر جزءاً كبيراً من قصر عائلتي الرئيسي في كالابريا.توقعنا أن الهجوم كان موجهاً إليها أساساً، ليستدرجنا إلى فخ أكبر يقوده سالفاتوري.لذا نقلناها هنا ف
Read more

72

الفصل الثاني والسبعونظلال الاعترافإيلاراكان الطريق الجبلي الوعر يمتد أمامنا كشريط أسود لا نهاية له، يلتف حول الجبال الشامخة كأفعى عملاقة نائمة تحت غطاء الظلام الدامس. الثلج الخفيف يتساقط بلا رحمة، يغطي الزجاج الأمامي للسيارة القديمة التي سرقها إنزو من مكان ما في أطراف الجنوب، ويجعل الرؤية شبه مستحيلة. كنتُ أمسك بمقعدي بقوة، أصابعي باردة مرتجفة كأنها ليست ملكي، جسدي يئن من الإرهاق الذي تراكم عليه أسابيع طويلة لا تُحصى. كل مطب في الطريق يرسل موجة ألم حادة عبر عمودي الفقري، وكل نفس ألم أشعر به يحمل رائحة الدم الجاف. الرياح تعوي خارج السيارة، تخترق الشقوق في الأبواب القديمة، تجعلني أرتجف رغماً عني. كنتُ أحاول التركيز على الطريق، على أي ضوء بعيد يمكن أن يعني الخطر، لكن عقلي كان يسبح في بحر من الصور المبعثرة.وجوه الرجال المسلحين، أصوات الرصاص، رائحة الدخان في القصر، عيون كارلو الداكنة التي كانت تحرقني وتحميني في الوقت ذاته... كل شيء يعود كالطوفان."إيلارا، تماسكي، لا تفقدي وعيك." قال إنزو بصوته الهادئ الذي يحاول أن يبدو مطمئناً، لكنني سمعتُ التوتر الخفي في نبرته. يداه مثبتتان على المق
Read more

73

الفصل الثالث والسبعونالصداقة المكسورةإيلاراكانت كلمات إنزو تتردد في رأسي كصدى صارخ في كهف فارغ. "أنا أحبكِ، إيلارا." جلستُ على حافة السرير في الغرفة الدافئة للنزل القديم، البطانية السميكة تلف جسدي المرتجف، لكن البرد الحقيقي كان يأتي من الداخل. عيناي مثبتتان على وجهه الذي كان ينظر إليّ بكل ذلك الأمل والخوف الممزوج.قلبي يدق بعنف، كأن صدري ضيق جداً ليستوعب كل هذه المشاعر المتضاربة. الصدمة تجمدت في حلقي، تحولت إلى كتلة ثقيلة لا تستطيع الصعود أو الهبوط."إنزو..." همستُ أخيراً، صوتي يخرج مكسوراً كزجاج متشقق. لم أجد كلمات أخرى في تلك اللحظة. كيف أرد على رجل وقف بجانبي سنوات طويلة، يخفي حباً لم أشعر به يوماً، بينما كنتُ أغرق في عالم آخر مليء بالدم والنار والعيون العاصفة التي سرقت قلبي رغماً عني؟نهض إنزو ببطء من ركبتيه، لكنه لم يبتعد. جلس بجانبي على السرير، يمسك يدي بلطف لكنه حازم، كأنه يخشى أن أختفي مرة أخرى. "الفترة التي كنتِ غائبة فيها... كانت جحيماً. كل يوم أستيقظ وأفكر: أين هي؟ هل تتألم؟ هل تحتاج إليّ؟ كنتُ أتمنى لو تعودين، حتى لو للحظة واحدة، لأرى وجهكِ مرة أخرى. حبي لكِ لم يبدأ الي
Read more

74

الفصل الرابع والسبعوناعترافات الظلالكارلووقفتُ في الزاوية المظلمة من غرفة المعيشة الواسعة في المنزل الجبلي القديم، متكئاً على الجدار الحجري البارد الذي يحمل في طياته رائحة الرطوبة والخشب. الرياح الباردة تهز الأشجار الشامخة خارجاً، وتصدر صوتاً خافتاً يشبه الهمس المتواصل، بينما داخل الغرفة كانت المدفأة مشتعلة بقوة، ترسل ألسنة اللهب البرتقالية الدافئة التي ترقص على الجدران الحجرية، لكن دفئها لم يصل إلى صدري المتجمد بالشكوك والذكريات.كنتُ أراقب فيوليتا وهي مستلقية على الأريكة الجلدية الواسعة، مغطاة ببطانيات سميكة ثقيلة، تحاول استعادة جزء من صحتها الهشة بعد الحادث الأخير المروع.استعادت فيوليتا بعضاً من قوتها الجسدية، لكن وجهها لا يزال شاحباً كالثلج الخارجي، وعيناها تحملان أثر الخسارة العميقة والألم الذي لا يُشفى بسهولة.ماركو جلس بجانبها على حافة الأريكة، لا يفارقها منذ أيام طويلة، يرعاها بلا توقف وبعناية فائقة تشبه عناية الأم بطفلها الرضيع: يقدم لها الماء الدافئ الممزوج ببعض الأعشاب المهدئة، يعدل البطانيات حول جسدها الضعيف، يمسح جبينها بلطف بقطعة قماش مبللة باردة، ويهمس لها كلمات طمأ
Read more

75

الفصل الخامس والسبعونالهرب نحو الشمالإيلارامرت أسابيع، أسابيع طويلة شعرتُ فيها أن الزمن نفسه يلاحقني كظل أسود. كل يوم جديد كان يعني مكاناً جديداً، طريقاً جديداً، وخوفاً جديداً ينبض في صدري.هربتُ من الجنوب الإيطالي كله، تاركة ورائي نابولي وقصورها المظلمة، وذكريات كالابريا مع كارلو التي لا تزال تحرقني كل ليلة. لم أعد أثق بأي مكان في الجنوب. سالفاتوري وكارلو، كلاهما يبحث عني، كلاهما يمثل شبكة من العيون والأذرع الطويلة التي قد تمتد إلى أي زاوية.كنتُ أتنقل مع إنزو من مدينة إلى أخرى، ننام في نزل صغيرة مجهولة، ونبتعد تدريجياً عن الجنوب. بدأنا رحلتنا من ضواحي نابولي، تذكرتُ تلك الليلة الأولى بعد مغادرة النزل القديم، الطريق السريع يمتد أمامنا كشريط أسود لا نهاية له. إنزو كان يقود بهدوء، يده تمسك المقود بقوة، بينما أنا أجلس بجانبه، أمسك بالحقيبة الصغيرة التي تحتوي على القليل من الملابس والأوراق التي جمعناها عن عائلتي."لا تنظري إلى الخلف، إيلارا." قال لي بهمس في إحدى الليالي، عندما توقفنا في محطة وقود مهجورة على طريق روما. "نحن الآن في آمان بعيداً عن أعينهم."لكن كارلو لم يكن بعيداً داخلي،
Read more

76

الفصل السادس والسبعونالأسرار الخفيةكارلوكنتُ أقف في الزاوية الخفية للغرفة، خلف الستارة الثقيلة المخملية القديمة التي تفصل بين الصالة الجانبية وغرفة المعيشة الرئيسية، والدخان الخفيف من سيجارتي يتصاعد ببطء شديد لئلا يفضحني. يدي اليسرى تمسك بإطار الخشب المنحوت بقوة، بينما قلبي يدق بعنف كطبول حرب قديمة.كل نبضة تحمل اسمها: "إيلارا".فيوليتا وماركو كانا جالسين في غرفة المعيشة المضاءة بأضواء خافتة دافئة، على الأريكة الجلدية الكبيرة قرب المدفأة. بمجرد أن سمعتُ اسمها يُذكر فتجمدتُ في مكاني، ثم انسحبتُ إلى هذه الزاوية الخفية قبل أن يلاحظاني.صوت فيوليتا كان منخفضاً، حذراً، يرتجف قليلاً كأنها تخشى أن تُسمع كلماتها خارج جدران هذه الغرفة: "...وسمعت سالفاتوري يقول ذلك بنفسه، كان يريد وضع إيلارا في طريق كارلو من البداية. لم يكن الأمر صدفة، ولا جذب جاذبية عابر. كان مخططاً له بدقة عالية. أراد أن تكون إلهاءً كاملاً، أن تشتت انتباهه عن العمليات الكبرى، عن السيطرة على الجنوب، عن صفقات النقل التي كان يديرها بعيداً عن عيني كارلو، وخاصة أمر الشريحة لأنه يعرف أن إيلارا ستبحث عن خلفيتها."توقفت للحظة. سمعت
Read more

77

الفصل السابع والسبعونأوهام الماضيكارلوخرجت من القصر بعد ليلة طويلة مليئة بالتوتر والغضب، الباب الرئيسي الثقيل يغلق خلفي بصوت مدوي يتردد في أروقة الذاكرة.الشمس كانت قد بدأت في الارتفاع قليلاً، لكن السماء لا تزال تحمل بقايا الظلام الليلي. كنتُ أرتدي معطفي الأسود الطويل، يدي اليمنى تمسك بالمفتاح الإلكتروني للسيارة، والملفات التي بحثت فيها طوال الليل محشورة في حقيبتي الجلدية. رأسي يعج بالأسئلة عن إيلارا، عن والدي، عن اليسترو، وعن تلك العملية الملعونة التي دمرت حياة المرأة التي أحبها.مشيتُ بخطى سريعة نحو موقف السيارات الخارجي، قرب المخرج الجانبي للقصر. الهواء البارد يلسع وجهي، والرياح الخفيفة تحمل رائحة التلال الخضراء المحيطة بالقصر. كنتُ أنوي التوجه شمالاً بنفسي، لأتحقق من بعض الخيوط الجديدة التي ظهرت في البحث الليلي، بعيداً عن أعين الرجال وعن سالفاتوري. لم أكن أريد أن أبقى في هذا المكان الذي يذكرني بكل الخيانات والأسرار.عند مخرج السيارات، قرب البوابة الخلفية المحروسة جيداً، رأيتُها تنتظر، "كارينا"، كانت تقف هناك بثبات، مرتدية معطفاً أسود قصيراً يبرز قوامها الرشيق على كعب عالي، شعرها
Read more

78

الفصل الثامن والسبعونالفخإيلاراكنتُ أقف أمام المرآة الصغيرة المتصدعة قليلاً في الغرفة الفندقية الضيقة والرطبة في فينيسيا، أرتب شعري الأشقر الطويل الذي يتساقط على كتفيّ بيدين مرتجفتين بشكل واضح.أصابعي كانت باردة رغم دفء الصباح المتسلل من النافذة الصغيرة المطلة على القنوات. الجواز المزيف بين يديّ يبدو ثقيلاً كأنه يحمل وزن كل أكاذيب حياتي الجديدة، والتأشيرة السياحية المطبوعة بعناية تبدو رسمية تماماً تحت الضوء الخافت. الحقيبة الصغيرة المتهالكة على السرير تحتوي على القليل من الملابس الداكنة، بعض الأوراق المبعثرة عن عائلتي، وصورة قديمة باهتة لأمي وأبي قبل الحريق المشؤوم.اليونان. كانت تبدو كملاذ بعيد، كحلم يمكن أن يبدأ من جديد بعيداً عن دماء إيطاليا، وعن عيون كارلو التي تطاردني في كل لحظة سكون."إنزو... أرجوك، لا تسافر معي." قلتُ له بصوت منخفض يرتجف، وأنا ألتفت نحوه ببطء. كان يقف قرب النافذة، يدخن سيجارة بتوتر، ينظر إلى القنوات المائية التي تتلألأ تحت أشعة الشمس الصباحية الذهبية، قوارب الجندول تمر ببطء كأنها في عالم آخر هادئ لا يعرف عن دمائنا شيئاً."هذا خطر كبير عليك، سالفاتوري وكارلو ل
Read more

79

الفصل التاسع والسبعونبين الغيرة والدمكارلورائحة البارود المحترق والدم الطازج والماء المالح الثقيل تخترق أنفي كسكين حاد. قلبي يدق في صدري بعنف يوشك أن يمزق الأضلاع. أمسكتُ بإيلارا بكل ما أملك من قوة، ذراعاي تحيطان بها كقضبان حديدية، جسدي يغطيها تماماً بينما الرصاص يصفر فوق رؤوسنا في الميناء الذي تحول إلى جحيم."إيلارا... أنا هنا. لن يمسك أحد بكِ بعد الآن." همستُ في أذنها بصوت خشن مبحوح. لكنها لم ترد. جسدها الرقيق يرتجف بعنف شديد كأنه ينهار من الداخل، دموعها الساخنة تنزل على قميصي دون صوت، وجهها مدفون في صدري تماماً، لا كلمة واحدة تخرج من شفتيها الشاحبتين.ماركو كان ينهي فيتوري بطريقة وحشية. رأيته يلوي ذراعه المصاب خلف ظهره حتى سمعتُ صوت العظم ينكسر، ثم ضربة قاسية على وجهه ألقته أرضاً. فيتوري صرخ، لكنني لم آمر بالقتل. أردته حياً للاستجواب."اربطوه! احضروا السيارات الآن!" صحتُ بصوت يقطع الفوضى.الناس يهربون مذعورين، صفارات الشرطة تقترب. سحبتُ إيلارا نحو السيارة السوداء الثقيلة. كانت خطوتها ثقيلة، مترنحة، كأن روحها قد فارقت جسدها. لم تقاوم، لم تنظر إليّ، فقط سمحت لي أن أحملها تقريباً.ا
Read more

80

الفصل الثمانونصمت الدمى المكسورةإيلاراالسيارة السوداء الثقيلة كانت تسرع في الظلام كوحش يبتلع الطريق. جسدي ملتصق بجسد كارلو، لكنه لم يكن يشعر بي.أنا لم أكن هناك. كنت في مكان آخر، بعيد، حيث لا يصل البارود ولا الدم ولا حتى صوته الخشن الذي يهمس في أذني: "إيلارا... أنا هنا."كلمات فارغة. كلها فارغة.أنا كنت في حالة صدمة مرعبة، حين سمعت ماركو يقول أن فيوليتا ماتت... منذ أن دخلنا أبواب القصر مرة أخرى، عادت الذكريات كسيل جارف. لم أصرخ. لم أبكِ بصوت عالٍ. فقط صمت. صمت ثقيل يملأ صدري حتى يوشك أن يخنقني. داخلي، كل شيء ينهار بهدوء مرعب، كمنزل قديم يتفتت حجراً حجراً دون أن يسقط صوته.تذكرتُ دم فيوليتا. كيف سال على الأرض أمامي في ذلك اليوم، ثم جاءوا، رجال سالفاتوري. أيدٍ خشنة سحبتني بعيداً عنها، عن كل ما تبقى من عائلتي. الليلة المشؤومة. الاختطاف. الظلام الذي لم ينتهِ أبداً.الآن، وأنا أعود إلى هذا القصر نفسه، يدور كل شيء في رأسي كعجلة صدئة. كارلو يحملني بين ذراعيه كدمية. جسدي لا يقاوم. رأسي مستسلم على كتفه. شعري المتشابك يلامس قميصه. أشم رائحته، مزيج من العرق والبارود والعطر الباهظ، وأشعر بالغث
Read more
PREV
1
...
67891011
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status