All Chapters of نور الآدم : Chapter 61 - Chapter 70

76 Chapters

البارت الحادى والستون

في شقة كريم الجديدة، حيث كان من المفترض أن تفوح أجواء الفرح والبهجة، كانت سالي تقف في منتصف ردهة الاستقبال، تتابع سير العمل بضيق شديد وملل كاد يخنق أنفاسها. كانت الأصوات الصاخبة لضربات المطارق، وحفيف أدوات العمال، وتحريك الأثاث الخشبي الثقيل تمزق سكون المكان، وهي تقف وسط ذلك الصخب وحيدة، بلا سَنَد أو شريك يشاطرها تفاصيل مملكتها الجديدة. كان كريم غارقاً حتى أذنيه في دوامة عمله بالشركة؛ يريد إنهاء كل المشروعات العالقة وتسليم مهامه قبل حلول موعد حفل الزفاف ليحصل على إجازته، ونور هي الأخرى كانت منشغلة بمسؤولياتها وضغط العمل القاسي في مجموعة الرشيدي. وجدت سالي نفسها فجأة منسية في بلدة غير بلدها، ومحافظة غير التي نشأت فيها، تقف بمفردها كغريبة تنظم وترتب أثاث منزل زوجها المستقبلي، وتوجه العمال بآلية ميتة وجسد مجهد. تسلل التعب إلى أوصالها، فتركت العمال وانسحبت بخطى وئيدة نحو الشرفة المطلة على الشارع لتبحث عن نسمة هواء نقي. جلست على أحد المقاعد، وأسندت ذقنها إلى كفيها، وأطلقت عينيها لتتأملا الأفق الشارد؛ وفي تلك اللحظة، فتحت الذاكرة أبوابها الموصدة، وبدأت تستعيد شريط حياتها وأحلامها القديمة
Read more

البارت الثانى والستون

أكملت نور ما تبقى من ساعات يومها بشكل طبيعي، متبعة سياسة التغاضي عما بدر من آدم في قاعة الاجتماعات؛ فقد باتت معتادة على تقلباته المزاجية المفاجئة وعواصف غيرته غير المبررة. وقبل نهاية الدوام، تلقت مكالمة هاتفية مرحة من رحمة، كانت كفيلة بتعديل مزاجها وإدخال البهجة إلى قلبها، فنور تحمل لرحمة محبة خاصة وتعتبرها شقيقتها الصغرى. ومع دقات الساعة المعلنة عن انتهاء العمل، هاتفتها سالي بنبرة يملؤها التعب والرجاء، تطلب منها الحضور فوراً إلى شقتها الجديدة لتساعدها في تنسيق الأثاث والانتهاء من هذا العبء الثقيل؛ التقطت نور العنوان بعناية، ووعدتها ألا تتأخر عنها مهما كان الأمر. خرجت نور من بوابة الشركة، ووقفت على رصيف الشارع المقابل تراقب حركة المرور، منتظرة قدوم سيارة أجرة تقلها إلى الوجهة المطلوبة. وفي غمرة ترقبها، انشقت حركة السير عن سيارة آدم الفارهة، والتي انحرفت فجأة لتقف أمامها مباشرة بنحو مباغت أحدث صريراً خفيفاً. هبط زجاج النافذة ببطء، ليطل وجه آدم الذي رمقها بنظرة حادة، وسألها مستغرباً - واقفة هنا لسه ليه يا نور؟ في حاجة حصلت؟ اجتاحت نور في تلك اللحظة مشاعر متضاربة ومتلاحقة، لكنها جاه
Read more

البارت الثالث والستون

مع دقات الساعة التي أعلنت انتصاف الليل، انتهت نور وسالي أخيراً من تنظيف وفرش الشقة بالكامل. وطوال تلك الساعات الطويلة، لم تتوقف الضحكات الصافية والمداعبات المستمرة بينهما؛ تعمدت الفتاتان خلق جو من البهجة والمرح، وكأنهما تسترادان معاً عمراً من السعادة والدفء كانتا قد افتقدتاه منذ مدة طويلة، هرباً من ندوب تجارب عاطفية فاشلة تركت في قلب كل منهما خذلاناً لا يُمحى. ارتمت الفتاتان على الأرض الملساء في منتصف الصالة، وجلستا تتنفسان الصعداء بإنهاك، لتأخذا قسطاً من الراحة قبل المغادرة. قطع هذا السكون رنين هاتف سالي؛ كان كريم يعلن في اتصال مقتضب عن وصوله أسفل البناية ليقوم بتوصيلها. نهضت سالي على عجلة من أمرها، بدلت ملابسها سريعاً، وهبطت برفقة نور التي كانت تبتسم لرفيقتها. استقلتا السيارة بجوار كريم، الذي انطلق بهما ليوصل نور أولاً إلى عتبة بيتها معززة مكرمة. وبعد أن ترجلت نور، التفت كريم نحو سالي الجالسة بجواره، واقترح عليها بنبرة دافئة أن يتناولا عشاءً متأخراً في أحد المطاعم الهادئة؛ وافقت سالي باقتضاب، مشترطة ألا يتأخرا لأن خلفها في الصباح الكثير من المهام العالقة. دخلا المطعم الفخم الذي ك
Read more

البارت الرابع والستون

تحركت يد نور بلهفة ونفضت عنها آثار تعب اليوم، وقررت في اندفاع لا رجعة فيه الخروج فوراً لمهاتفة أخيها. اعترضت الدادة زينب بخوف أمومي مشيرة إلى النافذة - يا بنتي برة ليل والجو برد جداً والمطر ممكن ينزل، استني للصبح...... لكن نور طمأنتها وهي ترتدي وشاحها بعجلة - متقلقيش عليا يا ماما، مش هتأخر، لازم أسمع صوتهم حالا. هرولت نور في شوارع الحي المظلمة، والبرودة تلسع وجهها، حتى وصلت إلى إحدى كبائن الاتصالات العمومية القريبة. التقطت السماعة بأصابع ترتجف، وطلبت رقم نادر؛ وما إن أتاها صوته حتى انهمرت دموعها بغزارة، وسألته بلهفة وشوق عارم عن حالهم وعن تفاصيل خطوبة نها. انفجر نادر فرحاً بسماع صوتها، وراح يروي لها تفاصيل الاتفاق بابتسامة لم تسعها الدنيا، وسط سعادة نور البالغة التي أنستها وحشتها. وفجأة، سُحبت السماعة من يد نادر، لتستمع نور إلى صوت شقيقتها نها الباكي وهي تحادثها بنبرة مخنوقة - نور.. وحشتيني أوي يا نور.. البيت وحش ومظلم من غيرك، أنا وحيدة وتائهة أوي في خطوبتي ومحتاجة وجودك جنبي.. أرجوكِ ارجعي تسللت كلمات نها الباكية عبر الأسلاك لتستقر كالسياط في قلب نور؛ هبطت دموعها كالمطر على و
Read more

البارت الخامس والستون

أجابت بنبرة لاهثة - رايحة الشقة أغير هدومي وأجيب ماما زينب عشان نروح الفرح. لم ينتظر آدم سماع بقية حديثها، بل امتدت يده ليفتح لها الباب الأمامي وقال بنبرة قاطعة لا تقبل الجدال - اركبي.. أنا هوصلك. صعدت بجواره دون أي مناقشة، فالوقت يداهم الجميع. وحين صفت السيارة أمام بنايتها، التفت إليها وقال بحزم رجولي صارم - نص ساعة بالظبط.. هروح أجيب رحمة وأعدي عليكوا هنا، متمشيش من مكانك ولا تتحركي غير لما آجي، مفهوم؟ نظرت إليه نور من بين أهدابها الكثيفة والساحرة، وقالت بخجل تلونت معه وجنتاها - مش عاوزين نتعبك معانا يا بشمهندس، إحنا ممكن نيجي بتاكسي. رمقها آدم بنظرة تحذير حادة أخرست لسانها متجاهلاً كلماتها تماماً، وأكد بصوت رخيم - قولت نص ساعة. ثم انطلق بسيارته. دلفت نور إلى الشقة سريعة لتجد الدادة زينب تستعد بلهفة، وقد ارتدت العباءة الفاخرة التي أحضرها لها آدم خصيصاً؛ كانت العجوز تتأمل قماشها الفاخر بدموع ويدها ترتفع إلى السماء تدعو له بصلاح الحال وراحة البال والقلب. أما نور، فقد دلفت إلى غرفتها لتستعد للقائها الخاص مع أنوثتها. ارتدت ذلك الفستان الأزرق الخلاب الذي اختاره ذوق آدم الرفي
Read more

البارت السادس والستون

وصل كريم وسالي إلى جناح الفندق الفخم الذي حجزاه ليمضيا فيه ليلتهما الأولى، قبل أن ينطلقا مع خيوط الصباح الأولى نحو الساحل الشمالي لقضاء أسبوعين. انفتح باب الغرفة، فدلفت سالي بخطى مجهدة، ولم تكد تخطو خطوات داخل المكان حتى ارتمت بجسدها فوق الفراش الوثير بكامل فستان زفافها الأبيض. تنهدت بثقل وراحت تصف بمرارة مدى الإرهاق الذي يعتصر جسدها، وظلت تثرثر بنبرة جافة عن تعب الأيام الماضية في ترتيب المنزل وشراء المستلزمات، وصولاً إلى مشقة هذا اليوم الطويل منذ بزوغ الفجر. وقف كريم عند طرف الغرفة يتأملها بصمت، والشنط لا تزال في يده. تملكه شعور غريب ومبهم، عجز عن تسميته؛ أهي فرحة غامرة لأنه ظفر أخيراً بالمرأة التي تمنّاها قلبه وحارب لأجلها؟ أم هي شفقة عارمة على نفسه وعلى أحلامه التي تتهشم عند عتبة هذا البرود؟ فلم يكن هذا ما رسمه لليلة العمر. أخذ كريماً نفساً عميقاً، طارداً وساوس الخيبة، وقرر أن يحاول مجدداً مع هذا القلب القاسي علّه يلين. تقدم بخطى وئيدة، وجلس إلى جوارها على حافة الفراش. أمال رأسه ليتطلع في عينيها مباشرة، وقال بنبرة تفيض هياماً وعشقاً - مبروك يا حبيبتي.. أنا النهاردة أسعد واحد في
Read more

البارت السابع والستون

في جناح الفندق، انقشعت عتمة الليل عن صباحٍ يحمل في طياته بروداً أشد قسوة. استيقظت سالي وثقل العالم كله يربض فوق صدرها؛ كانت عيناها منتفختين بشدة من أثر بكاء الليل المرير، وجسدها يشعر بوهن كاسح. فتحت عينيها ببطء وتلفتت حولها، لتجد كريم قد انتهى بالفعل من تبديل ملابسه، ووقف أمام المرآة يصفف شعره بعناية آلية خالية من الروح. التفت نحوها، لكنه لم ينظر في عينيها مباشرة، بل وجّه بصره إلى نقطة خلفها، وقال بنبرة جامدة، حادة، وخالية من أي دفء أو عاطفة - أنا هسبقك على تحت.. غيري هدومك وحصليني عشان نفطر ونلحق نسافر. ولم ينتظر منها رداً، ولم يمنحها حتى فرصة لتبرير أو عتاب؛ استدار وجرّ خطواته الصارمة ليغادر الغرفة ويغلق الباب خلفه بهدوء مخيف. تسمرت سالي في فراشها، ونهضت والألم يمزق نياط قلبها؛ شعرت بندم يحرق جوفها على الحالة المأساوية التي وصلت إليها علاقتهما في أولى ساعات زواجهما. دلفت إلى الحمام، ووقفت تحت المياه لعلها تغسل آثار ليلتها المأزومة، ثم بدلت ملابسها بارتداء ثياب كاجوال مريحة تناسب السفر، ورفعت شعرها إلى الأعلى في كعكة عفوية. وقفت أمام المرآة وتأملت وجهها الشاحب، ثم وضعت بضع طبقات
Read more

البارت الثامن والستون

بعد ساعات طويلة ومضنية من القيادة على الطرق الصحراوية الممتدة، قطعها كريم بتجهم شديد وصمت جاف، وصلا أخيراً إلى مقصدهما في شرم الشيخ. كانت الرحلة ثقيلة، لم يتخللها سوى استراحة قصيرة في منتصف الطريق تطلبها جسداهما المنهكان، دون أن يذوب خلالها جدار الجليد القائم بينهما. صفت السيارة أمام بوابة الفندق الفخم، وترجل كريم بجسد تيبس من طول السفر، وتبعته سالي بخطى مجهدة وعينين تملؤهما الحيرة والوجل. أشار كريم ببرود آلي إلى أحد عاملي الفندق ليحمل الحقائب ويتولى نقلها إلى الجناح المحجوز، ثم تحرك إلى الداخل بخطى سريعة وصارمة، وسالي تسير خلفه ينهشها القلق، وتتساءل في سرها بنبرة يملؤها الندم.... ماذا يختبئ وراء هذا الهدوء المخيف؟ هل قرر التخلي عني أم أنه يجمع قواه لينفجر في وجهي؟ انفتح باب الجناح، فدلفت سالي وجلست على حافة الفراش الوثير بقلب يرتجف، بينما كان كريم يتحرك في أرجاء الغرفة يضع مفاتيح السيارة وهاتفه على الطاولة بحدة طفيفة أظهرت ضيقه المكتوم. لم تطق سالي هذا الصمت الذي بات يخنق أنفاسها، فجمعت شجاعتها المتبقية ونادته بصوت خافت مرتعش شابه الخوف - كريم... التفت إليها كريم ببصر حاد وعينين
Read more

البارت التاسع والستون

بعد مرور دقائق معدودات، دلفَت نور مجدداً إلى المكتب ممسكة بأوراقها، وقد ارتدت قناع البرود الاحترافي وكأن شيئاً لم يكن. وقفت بجمود تملي عليه مواعيده اليومية، ثم وضعت الملف أمامه قائلة بنبرة رسمية - مطلوب توقيع حضرتك هنا على الملف ده عشان يتم إرساله فوراً للشركة الرئيسية. لكن آدم لم يكن بمزاج يسمح له بالعمل أو التفكير؛ فالصراعات بداخل صدره كانت تشتعل، ورأسه يدور في حواريات لا تنتهي من جلد الذات. نظر إلى الملف وجسده يتأهب للرفض، فقال بحزم وجفاء - سيبيه دلوقتي.. مش همضيه النهاردة، خليه لبكرة. ردت نور بعفوية وتلقائية بدافع مصلحة العمل - بس المفروض يتمضي النهاردة حضرتك عشان نلحقه بالبريد الصباحي للشركة الرئيسية، التأخير عن كده هيعمل مشكلة في الحسابات هناك.. وبعدين إمضاء سيادتك مش هتاخد دقيقة، وحضرتك مراجع كل بنوده قبل كده. كانت كلمات نور ونبرة صوتها الهادئة، في نظر آدم الثائر، بمثابة وقود يُصب فوق نيرانه المشتعلة؛ شعر بكبريائه يُطعن في لحظة ضعف، فصاح بها بدون وعي، مخرجاً ثورته الشيطانية بصوت عالٍ هز أرجاء المكتب - إنتِ مين عشان تحدديلي أعمل إيه وما عملش إيه؟ عشان عاملتك كويس وافتكر
Read more

البارت السبعون

مع دقات الساعة التي أعلنت نهاية وقت الدوام في شركة آدم، كانت نور قد أتمّت آخر ملفاتها بدقة متناهية، كمن يغزل كفناً لقصة لم تبدأ بعد. رتبت مكتبها بآلية مفرطة، وجاهدت لتكتم آلامها وكسرة قلبها في أعماق صدرها كعادتها دائماً؛ فهي فتاة لم تعتد البكاء أمام أحد، ولم تسمح يوماً لضعفها أن يكون مادة للشفقة. حملت حقيبتها على كتفها، وشعرت أن هموم الدنيا كلها قد ركعت بين ضلوعها؛ فجرح آدم كان غائراً، وكلماته القاسية كانت تدوي في أذنها مع كل خطوة تخطوها خارج جدران الشركة. لم تطلب سيارة أجرة، بل فضّلت السير بمحاذاة الشاطئ. كانت الأمواج تتكسر على الصخور بنحيب يشبه نحيب روحها؛ سارت شاردة الذهن، ووجهها شاحب كشمس الخريف، وعيناها الفيروزيتان مغمورتان بنظرة انكسار حزينة. راحت تتساءل بمرارة.... ما ذنبي في هذه الحياة؟ لماذا كُتب عليّ الشقاء منذ ولادتي؟ أهرب من وجع في المنصورة، لأقع في سجن العقد النفسية هنا؟. سارت وهي لا تدري كم من الوقت مر، حتى قادتها قدماها المتعبتان إلى عتبة المنزل. أدخلت المفتاح في القفل وفتحت الباب ببطء، متمنية أن تجد حضناً دافئاً ينسيها قسوة يومها. لكن مشهداً مرعباً كان في انتظارها؛
Read more
PREV
1
...
345678
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status