Semua Bab رماد القمر : Bab 41 - Bab 50

57 Bab

41

كانت تسير في ردهات الشوارع بخطى شبه وئيدة، تقودها أقدامها بينما قلبها يخفق في صدرها بعنف وتتلاحق دقاته كطبول تقرع في ليلة صاخبة. لم تكن في كامل وعيها؛ بل كانت تترنح تحت تأثير مخدر كلماته المعسولة التي همس بها في أذنها بالأمس، كلمات كانت تعزف على أوتار روحها العطشى لحناً عذباً افتقدته لسنوات طويلة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة بلاهة طفولية؛ ففي النهاية، أقنعت نفسها بأن الله قد ساق إليها العوض الذي سيمحو عن أيامها مرارة الخذلان، ويغسل جراحها مع الرجل الذي مَلَكَ سويداء قلبها منذ أن عرفت للحب معنى. توقفت خطوتها أخيراً حين وصلت إلى ذلك العنوان الذي أملاه عليها بنبرته الهامسة. تطلعت إلى الأعلى، نحو تلك البناية السكنية؛ ولثانية واحدة شق الخوف الغريزي طريقه إلى صدرها، وانقبض قلبها برهبة، لكنها سرعان ما انتفضت تزيح الهواجس، وحدثت نفسها بحدة لتقهر ترددها - إيه يا يسرا؟ هتفضلى طول عمرك خايفة ومرعوبة من ضلك؟ خلاص، إنتي واقفة على باب السعادة والفرصة جاتلك لحد عندك.. افتحيه وادخلي بقلب جامد، وخدي حقك بقى من الدنيا دي وبطلي جبن وضعف أخرجت هاتفها بيد مرتعشة، وضغطت على رقمه؛ جاءها صوته سريعاً، منخفض
Baca selengkapnya

42

انتفض سمير واقفاً قبالتها، وتحولت عيناه إلى جمرتين من شدة الغضب الحارق الذي عصف بكيانه، وصاح بها بنبرة جهورية حادة تزلزل الجدران - لسانك ده لو نطق كلمة تانية هقطعهولك..... لو حد تاني غيرك قال الكلام اللي أنتِ لسه قايلاه ده أنا مش هرحمه وهدفنه مكانه.. اللي شافعلك عندي وباقي عليه بس هي مكانتك في قلبي والطفل اللي في بطنك وعشان تحافظي على مكانتك دي وتفضل باقية.. دي تكون آخر مرة في حياتك تتكلمي في الموضوع ده أو تجيبي سيرة إخواتي على لسانك.. إخواتي ملزومين مني ورقبتي سدادة ليهم لحد ما كل واحد فيهم يشق طريقه ويقف على رجليه، فاهمة والّا لأ؟ شحب وجه نرمين، وتملّكها الرعب من هيئته الثائرة التي لم تعهدها من قبل؛ حاولت بكلمات متلعثمة أن تلطف الجو قليلاً، وتشرح له وجهة نظرها وأنها تخاف على مستقبلهما، ولكنه كان قد أغلق قلبه وعقله، ولم يعد يتقبل كلمة واحدة منها. انحنى بجمود ولملم نقوده وأوراقه بحسم، ووضعها جانباً، ثم استدار وترك الغرفة والشقة بأكملها، صافقاً الباب خلفه، لتجلس هي وحيدة، تعض أصابع الندم بمرارة على حديثها الطائش الذي تسبب في فجوة وشرخ عميق بينهما قد لا يلتئم بسهولة. ✨✨✨✨✨✨✨✨ على ا
Baca selengkapnya

43

وعدته، وفي غضون أسابيع معدودة أوفت بوعدها الجائر؛ لم تضع فوزية وقتاً بل قادت ابنها كالمساق إلى حتف كرامته، لتزوجه من مريم، ابنة أختها، تلك التي راحت تصفها في كل محفل وبوقاحة عمياء بأنها العوض السند لقلب ابنها المكلوم. لكن الحقيقة الكامنة في جوف فوزية لم تكن قط إسعاد أحمد أو بناء بيت جديد له؛ بل كان دافعها الأساسي والأوحد هو صبّ النفط على النار، وإذلال كبرياء يسرا وكسر عين عائلتها. فلم يتعدَّ عمر طلاقها الشهر الواحد، حتى كان أحمد يُزف إلى أخرى، فوق نفس الفراش، وعلى ذات الأثاث والمنقولات التي اشترتها يسرا بشقاها وعرقها! ورغم رغبة أحمد الباطنة في التمرد، قررت فوزية إحكام قبضتها للمحافظة على هذه الزيجة بشتى الطرق؛ ليس فقط لتفادي شماتة الجيران والناس إذا ما فشل مجدداً، بل لأنها تفهم شقيقتها جيداً، وتعلم أن خالة مريم امرأة شرسة، عاتية، ولا يمكن لـها أو لابنتها أن تتهاونا في مليم واحد من حقوق مريم إذا ما مسّها سوء. دلفت مريم بفستان زفافها الأبيض المنفوش إلى داخل الشقة، تتهادى بخيلاء وكأنها ملكة متوجة على عرشٍ ليس لها. دارت بعينيها اللامعتين في أرجاء الصالة تتفقد الأثاث، والستائر، والسجاد ب
Baca selengkapnya

44

منذ تلك الحادثة الشنيعة والمهينة في شقة محمود، انسلخت يسرا عن العالم بكامله، وقبعت خلف جدران غرفتها المغلقة كقبر دافئ، تحتمي بجوار ابنتها الرضيعة مسك، ولا تخرج إلى ردهات المنزل إلا للضرورة القصوى التي تفرضها عليها غريزة البقاء. كان أسبوعان من العزلة المطبقة كفيلين بأن يذيقاها مرارة الموت وهي على قيد الحياة. كانت تجلس مطأطئة الرأس، ينهشها شعور خانق بالانكسار الشديد، ويطحنها احتقار ذاتي مرير لم تذق مثله قط؛ راحت تجلد نفسها وتوبخ روحها طيلة تلك الأيام بأسياط من الندم القاتل. تذكرت كيف ركضت برجليها نحو الهاوية، وكيف صدقت تلك الكلمات المعسولة المعجونة بالدناءة، وكيف سمحت لنفسها بأن تكون صيداً سهلاً لشهوة عابرة تحت مسمى العوض! بلغت بها القسوة على ذاتها حداً شعرت معه أنها تقف على حافة الموت، وأن أنفاسها تضيق حتى تكاد تنقطع. وفي نوبة غضب وبكاء هستيري صامت، رفعت قبضتها المرتجفة وراحت تضرب بها فوق موضع قلبها بعنف وقسوة، تسدد الطعنة تلو الطعنة لصدرها العاري، وهي تهمس بفحيح ملتاع وتتهمه بأنه المحرك الأساسي لكل النكبات والمتاعب التي تمر بها - أنت السبب.. أنت اللي دمرتني.. أنت اللي بتجري ورا أي ك
Baca selengkapnya

45

دلف إليها بخطوات هادئة وحذرة، وهو يعلم علم اليقين حجم التمزق والخراب الذي ينهش روحها الشاحبة؛ فمنذ أن تناهى إلى مسامعها خبر زواج طليقها أحمد الغادر، واستيلائه الدنيء على متاعها وعفشها بالكامل لتزف عليه امرأة أخرى، سقطت حصونها تماماً، وهوت منهارة فوق فراشها، ولم تفلح مواساة أشقائها أو كلماتهم الدافئة في رتق جرح كرامتها الغائر. ألقى عليها تحية هادئة، وكانت عيناه تحملان لمعة من الألم الدفين لحالها، لكن شفتيه رسمتا ابتسامة عذبة مدبرة ليمنحها بعض الأمل. تحرك عماد وجلس بجوارها على طرف الفراش، ومد يده يداعب بحنان وجنتي الصغيرة "مسك" التي كانت ما زالت ناعسة تتقلب في مهدها، ثم التفت بوجهه نحو يسرا، التي استقبلت وجوده بابتسامة مجاملة واهنة امتلأت بالانكسار، وبادرها قائلاً بنبرة مرحة - بقولك إيه يا يسرا.. قومي إلبسي كدا وغيري الجو ده، وتعالي معايا نخرج نشتري فستان شيك أوي ليكي، وبدلة حلوة كدا على الموضة ليا، عشان نحضر بيها فرح الواد خالد. تطلعت إليه وعيناها مغرورقتان بالدموع، وشعرت بامتنان جارف يملأ صدرها؛ فهي تعلم جيداً أنه يقاتل ويعمل جاهداً بكل ما أوتي من حنان ليقتلعها من مخالب ذلك الاكتئ
Baca selengkapnya

46

استيقظت مريم من نومها قبيل الظهيرة؛ تمطّت في فراشها بكسل قبل أن تلتقط أذنها حركة غريبة وأصوات همهمات خفيطة تأتي من ردهة الشقة بالخارج. استبدت بها الريبة، فانتفضت غادرت الفراش سريعة، وفتحت باب غرفتها بحدة، لتتجمد ملامحها وهي تتفاجأ بحماتها فوزية وابنتها تقفان في الغرفة المقابلة، تطوقان المكان بنظرات فضولية وتتهامسان بصوت خفيض كاللصوص. تطلعت إليهما مريم بنظرات حادة خلت من أي مودة، ثم بدأت تتهادى في خطواتها بثقة وغطرسة حتى اقتربت منهما، ووقفت عتبة الغرفة صلبة؛ استندت بإحدى يديها على إطار الباب، بينما وضعت الأخرى في خصرها بتحدٍ سافر، ورمقتهما بنظرات تفحص باردة، قبل أن تردد بسخرية لا تليق بصباحية عروس - خير يا خالتي؟ بتعملي إيه أنتِ وبنتك هنا في شقتي؟.. وطلعتوا هنا إزاي أساساً ومن ورايا؟ لم تكن الكلمات في حد ذاتها لاذعة، بقدر ما كانت نبرة صوتها المتهكمة وطريقتها المستفزة في إلقائها كفيلة بإشعال النيران. حاولت فوزية لثوانٍ استيعاب هذه الجرأة وطريقة الحديث الجافة التي تخاطبها بها ابنة أختها وعروستها الجديدة، فاعتدلت في وقفتها بجمود، ووضعت الأكياس التي كانت بطلبها جانباً على الطاولة، ثم أ
Baca selengkapnya

47

عادت ريهام من عملها الشاق والخطى تثقلها، بينما يشوب ملامحها حزن دفين وقلق برح بها منذ آخر لقاء جمعها بزوجها؛ إذ ما زال غاضباً منها، أو بمعنى أصح، غاضباً عليها وعلى حالها، جراء تلك الدوامة المهلكة من الإرهاق التي رمت نفسها في أتونها دون هوادة. تحركت بخفة داخل الشقة، ووضعت ابنها الصغير على فراشه ودثرته بعناية، ثم دارت عيناها تبحث عن شريك عمرها بنظرات متوجسة، حتى وجدته قابعاً في غرفة المعيشة. كان إسلام يجلس أمام شاشة التلفاز بملامح جامدة كالجليد، تتوزع فوق وجهه ظلال غامضة لا تعلم ما تخفيه خلفها؛ بدا للوهلة الأولى شاخصاً ببصره نحو الشاشة، ولكنه في الحقيقة كان يحلق في عالم آخر بعيد، مغيباً تماماً عما يعرض أمامه. تنحنحت ريهام بخفوت لتثير انتباهه، ثم تقدمت منه بخطوات متمهلة، واستندت بفرط تعبها على ذراع الأريكة حتى استطاعت الجلوس بجواره بصعوبة بالغة، فقد أصبحت في شهرها التاسع والأخير، والجسد غدا حملاً ثقيلاً عليها. التفت إليها إسلام، وتطلعت عيناه إلى وجهها الشاحب ونَفَسها المتلاحق بشفقة عارمة على حالها، وزفر زفيراً قوياً ممتلئاً بالحنق والخوف عليها، ثم اعتدل في جلسته وهمّ بالنهوض استعداداً
Baca selengkapnya

48

طالما راقبت لبنى بنظراتها الفاحصة تلك الجدران غير المرئية التي ترتفع يوماً بعد يوم بين حسن وزوجته نهى؛ لفت انتباهها هذا التعامل الرسمي الجاف الذي يشبه تعامل الغرباء، وتجهم حسن الدائم الذي كسا ملامحه، وهو الذي طالما عهدته شخصاً مرحاً يملأ الدنيا بهجة، كيف لا وهما جيران منذ عهد الطفولة الباكرة ويعرف كل منهما الآخر عن ظهر قلب. كان هذا النفور الصامت يتجسد بوضوح في تجمعاتهم العائلية، حيث الحذر يغلف كل كلمة، والبرود يقطع كل حبل للود. اليوم، ولم تعد قادرة على كبت فضولها وقلقها، استجمعت لبنى شجاعتها، وانتحت بنهى جانباً لتسألها مباشرة عن السبب، مدفوعة برغبة صادقة في مد يد العون لعلها تستطيع مساعدتها في رتق هذا الشرخ. ودارت الكلمات في صدر نهى كالإعصار، وحدثت نفسها بمرارة - أول ما سألتني وواجهتني، مكنتش عارفة أرد أقول إيه.. لساني عجز تماماً. أنا عارفة ومتأكدة إن الكل ملاحظ ومستغرب حالنا، ونفسي أوي أتكلم وأصرخ وأفضفض وأشيل الحمل ده من على كتافي، بس مش هينفع.. مش هينفع أطلع أسرار بيتي ولا أقول إن قلبي مع غيره وهو مكسور بسببي وبسبب أمي.. وبعدين حتى لو اتكلمت، هقول إيه؟ مفيش كلام يداوي اللي انكسر
Baca selengkapnya

49

كان يومه عاصفاً ومشحوناً، طاحونةً دارت به ما بين أروقة المحاكم وجلسات القضايا الصباحية، وضغوط عمل الشركة الجديد الذي تولى مسؤوليته مؤخراً. لم يكد يسترد أنفاسه طوال الساعات الماضية، ليعود في وقت متأخر من المساء وجسده يئن من فرط الإنهاك، بينما هاتف وليد الخاص لا يكف عن الرنين والاهتزاز في جيبه، والمشعل كان اسماً واحداً يتكرر بإلحاح خلود. تسرب القلق والذعر إلى مفاصله؛ فانقبض قلبه وظن أن خطباً ما قد أصابها، أو أنها تعاني من آلام المخاض والوضع المبكر وهي في شهورها الحساسة، خاصة بعد أزمة لمار الأخيرة. اندفع يدلف من باب الشقة بأنفاس متلاحقة، وتوقع أن يجد جلبة أو طوارئ، لكنه جوبه بسكون مطبق يملأ أركان المكان. خطا خطواته الأولى في الظلمة، ثم مد يده وضغط على زر الإضاءة، لتنساب الأنوار وتكشف له عن مشهد شلّ حركته تماماً. لم تكن هناك حالة طوارئ صحية؛ بل كانت خلود وابنته لمار تجلسان على المقاعد بوقار مصطنع صامت، ترتديان ملابس غاية في الأناقة والشياكة كمن تستعدان لحفل فاخر. تطلعتا إليه بعيون معاتبة، ولم تنطقا ببنت شفة، بينما تزينت الطاولة الكلاسيكية في منتصف الصالة بقالب حلوى "تورتة" ضخم ومميز،
Baca selengkapnya

50

تحمل ابنتها الرضيعة على ذراعها بقوة، كمن يتمسك بآخر ما يربطه بالحياة، وقررت في تلك اللحظة الحاسمة أن ترمي كل تلك الحمول والهموم الأخرى من على أكتافها أرضاً، عازمة على سحقها بأقدامها دون رحمة. التفتت بجوارها لتطمئن روحها، فرأت سندها وحصنها المنيع؛ شقيقها الأكبر عماد. وقف عماد أمامها بشموخ، ومد يديه الحانيتين ليحمل عنها الصغيرة مسك برفق، وتطلع إلى يسرا بنظرة ذات مغزى، نظرة تحمل كل معاني الدعم والأمان. تقدمت راندا خطوة للأمام، وتسلمت الطفلة من بين يدي عماد، ثم طبعت قبلة دافئة على وجنتها الصغيرة وهي توجه حديثها ليسرا بنبرة تأكيد قاطعة - متخافيش عليها يا يسرا، هتبقى في عيني ومعايا يا حبيبتي.. ماينفعش خالص تروح معاكي المشوار الصعب ده وتشوف الجو هناك.. ربنا يعينك ويقويكي على اللي جاي. نعم، لم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق؛ فهي تحمل في يدها المرتعشة أمراً من المحكمة يقضي بتمكينها من استلام متاعها وعفشها كاملاً. وبالرغم من الرعب الفطري الذي كان ينهش أحشاءها من تلك اللحظة الحرجة التي تقسم الأنفس وتكشف الخبايا، إلا أنها بدت في وقفتها قوية، صلبة، كصخرة لا تنحني عاتية الرياح. ومما زادها قوةً وصل
Baca selengkapnya
Sebelumnya
123456
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status