جميع فصول : الفصل -الفصل 60

126 فصول

51. الوجه الذي أفسد كل شيء

كان الطريق الأخير نحو المنتجع هادئًا على نحوٍ يثير الريبة، كأن العالم قرر فجأة أن يحبس أنفاسه.أو على الأقل…هادئًا بالنسبة للجميع.عدا لونا.التي كانت ما تزال محمولة بين ذراعي جاك منذ أكثر من نصف ساعة، تشعر بثقل اللحظة أكثر من ثقل جسدها.ومع كل دقيقة تمر…كان إحراجها يتضاعف، يتسلل إلى وجنتيها كحرارة خفية لا تهدأ.خصوصًا مع نظرات الموظفين المتلصصة.والابتسامات التي يحاول الجميع كتمها عبثًا.“جاك.”قالتها للمرة العاشرة تقريبًا، بنبرة تجمع بين التوسل والضيق.“ماذا الآن؟”“أنزلني، كفى هذا.”“لن أفعل.”“جاك، أرجوك.”“لا تضغطي عليّ.”“أنا قادرة على المشي.”“وأنا متأكد أنك ستتعثرين بعد خطوتين.”ضيقت عينيها، وقد بدأ صبرها يتآكل.ثم ضربت كتفه ضربة خفيفة، كأنها تحاول استعادة شيء من كرامتها.“قلت لك أنزلني.”لم يتأثر.فضربته مرة ثانية.ثم ثالثة.“هل انتهيتِ من هذا العرض؟”“لم أبدأ بعد.”ضربته مجددًا، بعناد طفولي لا يخلو من حرارة.فأطلق زفرة طويلة، وكأنه يحاول كبح ابتسامة.“أنتِ مزعجة بشكل لا يوصف.”“وأنت متسلط لدرجة لا تطاق.”“أعرف ذلك جيدًا.”تجمدت للحظة، وكأنها لم تتوقع هذا الاعتراف السهل.“ا
اقرأ المزيد

52. الشيء الذي لم ينسه

بعد وصول ماكس…لم يعد شيء طبيعيًا، على الأقل بالنسبة لجاك.كان الجميع منشغلين بالبرنامج المسائي؛ الضحكات ترتفع، الموسيقى تعمل، والموظفون يتنقلون بين الأنشطة، لكن جاك لم يكن حاضرًا فعليًا.كلما رفع عينيه رأى ماكس، ومع كل نظرة يعود ذلك اليوم الذي حاول دفنه سنوات طويلة، اليوم الذي انتهى بصوت ارتطامٍ لم يغادر أذنيه حتى الآن.كان الصوت واضحًا في ذاكرته، حادًا كأنه يحدث الآن، لا في الماضي. حاول مرارًا أن يقنع نفسه أنه تجاوز الأمر، أنه أصبح أقوى، لكن وجود ماكس أعاد كل شيء كما كان، بل أسوأ.⸻أما لونا…فكانت تراقبه، لأنها بدأت تلاحظ شيئًا غريبًا.جاك لا يتوتر ولا يتردد ولا يفقد أعصابه بسهولة، لكن منذ وصول ماكس أصبح شخصًا مختلفًا: أكثر حدة، أقل صبرًا، وأحيانًا شاردًا، وهذا وحده كان كافيًا ليجعلها تشعر بعدم الارتياح.كانت تعرفه جيدًا، أو هكذا كانت تظن. تعرف طريقته في التفكير، ردود أفعاله، وحتى صمته. لكن هذا الصمت الجديد كان مختلفًا، ثقيلًا، وكأنه يخفي شيئًا أكبر مما تستطيع تخيله.⸻“قدَمك كيف أصبحت؟”سألها أحد الموظفين.نظرت إلى الكاحل الملفوف.“أفضل.”لكنها كانت تكذب؛ كان يؤلمها، خصوصًا عند ال
اقرأ المزيد

53. الحقيقة التي لم تُقَل

اشتعلت النار في منتصف الساحة الواسعة، وانعكست ألسنتها البرتقالية على الوجوه المتفرقة حولها.ضحكات الموظفين كانت ترتفع بين الحين والآخر.أكواب القهوة الساخنة تتنقل بين الأيدي.والموسيقى الخافتة القادمة من المبنى الرئيسي تضيف للمكان دفئًا خادعًا.في الظاهر…كانت أمسية عادية.أمسية من تلك الأمسيات التي تُلتقط فيها الصور وتُصنع فيها الذكريات الجميلة.لكن بالنسبة لبعض الجالسين حول النار…لم يكن هناك شيء عادي على الإطلاق.خصوصًا جاك.الذي جلس بصمت على الطرف المقابل.يبدو هادئًا كعادته.لكن من يعرفه جيدًا كان سيدرك فورًا أن هذا السكون ليس طمأنينة.بل عاصفة مؤجلة.ومنذ وصول ماكس…لم تهدأ تلك العاصفة لحظة واحدة.أما لونا فكانت تجلس على المقعد الخشبي وهي تمد ساقها المصابة قليلًا أمامها.التورم خفّ.لكن الألم لم يختفِ تمامًا.خصوصًا بعد ساعات طويلة من الحركة.حاولت تجاهل الأمر.كما تفعل دائمًا.لكنها شهقت بخفوت عندما غيرت وضعية قدمها.ولم يفت ذلك آدم.“ما زال يؤلمك؟”رفعت رأسها نحوه.“أنا بخير.”ابتسم بسخرية.“هذه الجملة أصبحت مقلقة أكثر من الألم نفسه.”ثم جلس أمامها مباشرة.وأخرج المرهم من حقيب
اقرأ المزيد

54. ما لم يقله أحد

ساد صمت ثقيل بعد كلمات ماكس الأخيرة.ثقيل لدرجة أن صوت احتراق الحطب صار كأنه يصرخ في آذانهم، فرقعة الخشب تتردد في الهواء البارد كنبض متوتر.“كنت أحبها…”ثم:“وكنت أعتقد أنني الوحيد.”لم يكن هناك ما يقال بعد ذلك.على الأقل بالنسبة لمعظم الحاضرين.أما بالنسبة لجاك…فكان هناك الكثير مما يمكن قوله.والكثير مما يجب ألا يُقال.⸻“هذا جنون.”ضحك أحد الموظفين، ضحكة قصيرة متوترة.“إذن القصة حقيقية فعلًا؟”“أي قصة؟”رد ماكس وهو لا يزال ينظر إلى جاك، عيناه ثابتتان، لامعتان بشيء مظلم.“قصة صديقين أفسدتهما فتاة.”ضحك البعض، لكن الضحكات بدت باهتة، متكسرة.أما جاك فلم يتحرك.لم يرمش حتى.وكان هذا أسوأ.لأن لونا شعرت بشيء بارد ينساب داخل صدرها، كأن جليدًا يتشكل ببطء حول قلبها، يضغط عليه دون رحمة.⸻“ومن فاز؟”سأل أحدهم مازحًا، لكن صوته خرج أضعف مما أراد.وهنا…ابتسم ماكس.ابتسامة صغيرة، ملتوية، تحمل شيئًا قاسيًا.كأن السؤال أيقظ فيه شيئًا قديمًا.لكن قبل أن يجيب…تكلم جاك أخيرًا.“انتهى السؤال.”ساد الصمت فورًا.اختفت الضحكات.واختفت الحماسة.حتى النار بدت وكأنها خفتت، كأنها شعرت بالتوتر الذي ملأ الم
اقرأ المزيد

55. المسافة التي اختفت

عندما دخلت لونا الغرفة…كانت تتمنى لو أنها تستطيع إغلاق الباب على أفكارها أيضًا.لكنها لم تستطع.أغلقت الباب خلفها بقوة أكبر مما قصدت، حتى ارتجف المقبض بين أصابعها للحظة قبل أن تتركه.لماذا لا يصمت رأسي؟واتجهت مباشرة نحو الشرفة الصغيرة، خطواتها سريعة لكنها غير ثابتة قليلًا.دفعت الباب الزجاجي وخرجت.الهواء الجبلي البارد ضرب وجهها كصفعة.فأغمضت عينيها، ورفعت كتفيها قليلًا كأنها تحتمي من البرد ومن شيء أعمق.لثوانٍ فقط.اهدئي.لا تفكري.تحاول أن تطرد صورة ماكس.وكلمات ماكس.وصمت جاك.لكن بلا فائدة.كلما حاولت الهرب…عادت الفكرة نفسها، أكثر إلحاحًا، أكثر قسوة:لماذا لم ينفِ؟لماذا لم يقل “لا” فقط؟هل كان عاجزًا… أم صادقًا؟بعد دقائق عادت إلى الداخل.وأول ما وقعت عيناها عليه…كان السرير.توقفت، وقد شدّت أصابعها حول حافة الباب للحظة قبل أن تتركه.ثم حدقت فيه.سرير واحد.حقًا؟ثم حدقت أكثر، وعيناها تضيقان تدريجيًا.كأنها تنتظر أن يتغير شكله.أن ينقسم.أن يختفي.لكن لا شيء حدث.أغمضت عينيها ببطء، وزفرت من أنفها بحدة خفيفة.“ممتاز…”همست، وصوتها يحمل سخرية مريرة.سرير واحد.كبير.لكن سرير واح
اقرأ المزيد

56. صباح لايُشبه ماقبله

لم يكن الصباح رحيمًا.استيقظت لونا قبل اكتمال الضوء، كأن النوم لفظها. حدقت في السقف. خيوط باهتة تتسلل عبر الستائر، ترسم خطوطًا شاحبة على الجدران، تتراقص مع ذرات غبار دقيقة عالقة في الهواء. الهواء ساكن، ثقيل برائحة الليل المختلطة ببقايا عطر خافت ودفء الأغطية، وصوت الساعة يقطع الصمت ببطء مزعج، كنبض معدني بارد يتردد في الغرفة. حاولت ترتيب أفكارها، لكنها تشابكت… كلمات ماكس، نظرات فيكتوريا، وصمت جاك.ذلك الصمت لم يكن هدوءًا. كان جدارًا.أما جاك…فلم ينم.جلس طوال الليل على حافة السرير، يمرر يده في شعره بعصبية، يشعر بخشونة خصلاته بين أصابعه، يحاول محو ما حدث. كان يعرف أنه أخطأ. في كلماته. في انسحابه. في تركها وحدها.لكن ما أثقله أكثر…أنه لا يعرف كيف يصلح ذلك.كلما اقترب، تراجع. كلما بحث عن كلمات، خذلته.⸻حين تحركت لونا أخيرًا، شعرت بالألم فورًا.نظرت إلى كاحلها. تجمدت.التورم واضح. ثقيل، مشدود كأنه ينبض بحرارة تحت الجلد.“رائع…”همست بسخرية، وصوتها خافت كأنه يذوب في الهواء.حاولت الوقوف.خطوة.الألم ضربها. بقوة. كشرارة حادة تمتد عبر ساقها. ارتجف جسدها. الأرض باردة، قاسية، وبرودتها تسللت ع
اقرأ المزيد

57. مسافات قصيرة

بعد عودتهما من العيادة، بدا المنتجع أكثر ازدحامًا مما كان عليه في الصباح، إذ كانت الساحة الرئيسية تعج بالموظفين، تختلط فيها أصوات الضحك بالموسيقى الخافتة، بينما تتنقل مجموعات صغيرة بين الأنشطة المختلفة بحماس واضح يملأ المكان بالحيوية.أما لونا فجلست على مقعد خشبي قرب المنصة الرئيسية، وقد رفعت قدمها المصابة قليلًا فوق المقعد المقابل، في وضع لم تعتد عليه أبدًا، فهي لم تكن معتادة على الجلوس بينما يعمل الجميع، ولا على أن يفرض عليها أحد الراحة، لذلك بدا الضيق واضحًا على وجهها، بينما كانت في داخلها تشعر كأنها طائر حُبس فجأة في قفص ضيق، يرفرف بلا جدوى ويصطدم بأسلاكه.وقف جاك بالقرب منها يراجع برنامج اليوم الذي تسلمه من المنظمين، وقد عاد إلى هيئته المعتادة كرئيس تنفيذي هادئ وصارم يصعب قراءة أفكاره، لكن بينه وبين لونا ظل ذلك الشيء الغريب حاضرًا، ليس شجارًا ولا غضبًا، بل توتر صامت، كأن كليهما أصبح أكثر حذرًا من الآخر منذ الليلة الماضية، وهو ما شعرت به لونا بوضوح، وكأن كل كلمة قد تتحول إلى خطأ، وكل نظرة قد تُفهم بطريقة مختلفة.قالت لونا أخيرًا:“يمكنك التوقف عن الوقوف هنا.”رفع عينيه عن الأوراق
اقرأ المزيد

58. خطوط متقاطعة

وقف أعضاء الفريق السابع عند بداية المسار الجبلي، بينما سلّمهم المنظم حقيبة صغيرة وخريطة إلكترونية تحتوي على تفاصيل المهمة.قال الرجل بحماس وهو يشير إلى الشاشة:“ستواجهون أربع محطات مختلفة. محطة للتحليل والتخطيط، وأخرى للملاحظة، وثالثة للسرعة، وأخيرًا محطة للقوة والتحمل.”ثم ابتسم وأضاف بنبرة حاسمة:“ولا يمكن لشخص واحد إنهاء أكثر من محطة، لذا يجب أن يختار كل فرد مهمته بنفسه.”غادر المنظم بعد ذلك، تاركًا الأربعة وحدهم.ساد صمت قصير، لكنه بدا أطول مما ينبغي، كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.كانت لونا أول من كسر هذا الجمود؛ أخذت الجهاز وبدأت تقرأ التعليمات بسرعة، تنتقل عيناها بين التفاصيل والأرقام، وعقلها يعمل فورًا كعادته. ومع ذلك، شعرت بوخزة خفيفة في صدرها، إحساس غامض بأن شيئًا ما ليس في مكانه.راقبها ماكس بصمت قبل أن يبتسم ابتسامة خفيفة.“واضح أن محطة التحليل حُسمت.”رفعت لونا رأسها وقالت:“أظن ذلك.”لكن في داخلها، كانت تتساءل: هل تختار المهمة فعلًا، أم تهرب من شيء آخر؟“في الواقع…” أضاف ماكس بنبرة مازحة، “إذا لم تأخذيها سأعتبر الأمر إهانة شخصية.”ضحكت بخفة، ضحكة صغيرة لم تتوقعها حتى من
اقرأ المزيد

59. ما يراه الجميع

ما إن دوّت صافرة البداية حتى اندفعت الفرق عبر المسارات الجبلية، وكأنها تُقذف فجأة إلى سباق لا يحتمل التردد أو التباطؤ.اختلطت الأصوات في لحظة واحدة؛ أوامر تتعالى، ضحكات تتناثر، وخطوات متسارعة تضرب الأرض بإيقاع متوتر، حتى بدا كل شيء حيًا أكثر مما ينبغي، وكأن المكان نفسه يراقبهم.أما الفريق السابع…فلم يتردد طويلًا، بل تفرّق سريعًا، كلٌ يتجه نحو مهمته وكأنه يعرف طريقه مسبقًا.كانت محطة التحليل في نقطة مرتفعة تطل على جزء واسع من المنتجع، موقع يمنح رؤية شاملة وهدوءًا نسبيًا في آنٍ واحد.اختارتها لونا دون تردد، وكأن القرار كان جاهزًا في ذهنها منذ البداية.هنا… يمكنها أن تهرب قليلًا.أو على الأقل، هذا ما حاولت إقناع نفسها به.جلست أمام الشاشة، وعيناها تتحركان بين الخرائط والرموز والإحداثيات بانتباه دقيق، محاولة أن تغرق في التفاصيل.أشياء واضحة.منطقية.لا تخون.ولا تحمل ماضٍ.ومع ذلك، لم يكن ذهنها حاضرًا بالكامل؛ كانت الأفكار تتسلل وتتشظى قبل أن تكتمل، وكأن شيئًا ما يرفض أن يتركها تركز.صوت.نظرة.كلمة.الليلة الماضية لم تنتهِ بعد، بل بقيت عالقة في داخلها.“أعتقد أن الجهاز بدأ يندم لأنه وُض
اقرأ المزيد

60. النهاية الأولى

ساد صمت قصير بعد كلمات ماكس الأخيرة. لم يكن صمتًا غامضًا أو ثقيلًا، بل ذلك النوع الذي يسبق عودة الجميع إلى ما يفترض أنهم جاؤوا من أجله أصلًا: المهمة.عادت لونا إلى الشاشة أمامها، وسحبت نفسًا طويلًا قبل أن تعيد قراءة المسار الأخير. كان عليها اختيار الطريق الأقل مخاطرة والأعلى نقاطًا. خطأ واحد فقط، وكان عليهم إعادة جزء كامل من التحدي.انحنت فيكتوريا فوق الطاولة وأشارت إلى أحد المسارات معلنة: “هذا الطريق أقصر.”هزت لونا رأسها فورًا: “لكنه يفقدنا نقاط المراقبة.”أردفت فيكتوريا بعد لحظة قصيرة، بابتسامة خفيفة: “صحيح… إذن كنت أختبرك.”تمتمت لونا دون أن ترفع رأسها: “كاذبة.”كادت فيكتوريا تعترض، لكنها ضحكت رغمًا عنها.في الجهة الأخرى، كان ماكس ما يزال جالسًا فوق الحاجز الخشبي، يراقبهم جميعًا براحة مستفزة.أما جاك، فكان انزعاجه يزداد مع كل دقيقة يقضيها الرجل هنا. ليس لأنه يتحدث مع لونا، بل لأنه يعرف ماكس، ويعرف أن تأخير المهمة مقصود، وأن كل هذا العرض مقصود.تحدث أخيرًا ببرود: “لديك محطة.”رفع ماكس رأسه إليه: “أعرف.”أجاب جاك بنبرة هادئة لا تحتمل النقاش: “إذن اذهب.”ارتسمت على وجه ماكس ابتسامة ص
اقرأ المزيد
السابق
1
...
45678
...
13
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status