LOGINو في تلك الثانية بالذات، تصاعدت رائحة الوقود بجرأة، و بدأت شرارات النار الأولى تخرج من المحرك المهشم علمت علياء بذكائها أن أمامها ثوانٍ معدودة قبل أن تتحول هذه المركبة إلى قبر محترق ينهش اجسادهم معا تحركت بزحف مستميت، و بكل ما أوتيت من غِضب و قوة حركتها غريزة البقاء الحامية، بدأت علياء في دفع جسدها ببطء شديد عبر نافذة السيارة المهشمة. ساعدها علي ذلك انها فقدت الكثير من الوزن و اصبحت نحيله جدا خلال الشهرين الماضيين كانت شظايا الزجاج الحادة تمزق جلد كفيها و تغرز في ركبتيها رات الدماء تسيل من اطرافها بغزاره لكنها لم تئن و لم تتوقف؛ خرجت اخيرا من السياره كانت تزحف على الأرض الترابية الوعرة، مبتعدة عن الحطام إنشاً تلو الآخر. استمرت في الزحف لمسافة عدة أمتار تفصل بينها و بين الموت المحقق، و قبل أن تصل إلى حافة الطريق الرئيسي الأعلى، دوّى في جوف الهضبة انفجار صاخب عنيف و مروع يجفف الأنفاس في الصدور نظرت للخلف فرات السنه اللهب تملأ المكان .اشتعلت السيارة بالكامل و تحولت إلى كتلة ضخمة من النيران الحارقة التي التهمت جسد دينا و التهمت الحقد الد
وصلت السيارة الفخمة أخيراً لأعتاب الهضبة الجبلية المعزولة و القاسية على أطراف المدينة كانت المنحدرات السحيقة تمتد تحت عتمة الليل البارد كأنها هوة بلا قاع، تحفها صخور صماء ممتدة تحت ضوء القمر الشاحب. أبطأت علياء من سرعة المركبة بحذر شديد و خوف مكتوم ينهش صدرها، لتصرخ دينا فجأة بنحيب هستيري و شماتة ميتة هزت أركان المقصورة و جردتها من هوائها: — «الآن ستموتين هنا يا علياء الحسييني! سينتهي تمثيلك المفتعل للبراءه الذي سرق مني حياتي و عملي و حبيبي، و دفعني إلى هذا الجحيم! لن تخرجي من هذه الهضبة حية!» و. في كسر من الثانية، اندفعت دينا من المقعد الخلفي بجنون و ضراوة مفرطة، و تخلت عن كل ذرة عقل متبقية في رأسها. امتدت يداها المرتعشتان لتقبضا بعشوائية و. عنف على مقود السيارة، محاولة حرف مسار العجلات بقوة نحو الحافة السحيقة للمنحدر. انتفضت علياء بكامل جسدها ، و استيقظت بداخلها غريزة الأمومة الحامية و الشرسة التي ولدت مع نبض جنينها؛ لم تكن تفكر في الموت أو النجاة بنفسها الليلة، بل انحصر رعبها الخالص و هلعها في حماية بطنها و جنينها من
تصلب جسد علياء بالكامل فوق مقعد القيادة، و تجمدت الأنفاس في صدرها و هي تشعر بنصل السكين الحاد يضغط برفق و قسوة فوق جلد رقبتها ، ليجرد مقصورة السيارة من هوائها في تلك الثانية المرعبة، تلاشت كل حصونها تماما ، و اشتعل بداخلها ذعر خالص، حاد، و مزلزل؛ لكنه لم يكن خوفاً على نفسها أو على حياتها المنهكة، بل كان رعباً قاتلاً و هلعاً مفرطاً على الجنين الصغير و القطعة المقدسة المتبقية من يوسف التي تسكن أحشائها منذ أسابيع .قبضت علياء على مقود السيارة بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها، و حاولت بكل ما أوتيت من ثبات و. ققوه وكبرياء أن تحمي بطنها بجسدها، و تحدثت في كواليس روحها بصرخة صامتة تفيض باللوعة: «ليس مرة أخرى... لن أسمح للأفاعي بأن تذبح طفلي ! سأحميه بأي ثمن.» حاولت تهدئة أنفاسها المتهدجة، و قالت بصوت خافت، مبحوح، و حذر للغاية شق سكون المقصورة: — «دينا... اهدئي و افتحي عقلكِ لثوانٍ. انزعي هذا النصل عن عنقي، و دعينا نتحدث بهدوء ... لماذا تفعلين هذا انت لستي قاتله ايا كان ما تريدينه مني سافعله ؟» تحرك جسد دينا في المقعد الخلفي
حين تبلغ قسوة الأيام ذروتها، تضطر القلوب النقيّة لارتداء أقنعة القسوة، لحماية الأرواح التي تعشقها من الموت صامتاً.» قادت علياء سيارتها عبر شوارع المدينة، كانت تحلق من السعادة و لكن... كان عقلها يدور في حلقة شرسه من الخطط و الترتيبات السريّة. لم تكن الان تلك الجثة الهامدة التي استسلمت للاكتئاب الحاد طوال الأسابيع الماضية؛ بل دبّت في عروقها روح جديدة مقاتله و جامحة غسلت وحشتها بالكامل. كانت تضع يدها الدافئة فوق بطنها بانتظام، كانها ترسل رساله لطمانه صغيرها كانت تشعر بكل نبضة صغيرة بداخلها كقَسَم مقدّس يربطها بـ يوسف الكيلاني. علمت علياء يقيناً أن معركة البقاء لحماية هذا الجنين تتطلب أولاً استعادة قوتها الجسدية المكسورة. لذا، انحرفت بسيارتها نحو وسط المدينة، و توجهت مباشرة بكامل إرادتها نحو مكان هاديء كانت تذهب دائما اليه عندما. تريد ان تفكر في شيء هام ذلك المكان كان يجمعها بنور في الأيام الخوالي ارادت ان تحتفل مع صغيرها بعيدا عن قصر الالفي دخلت إلى المكان، و جلست في زاوية منعزلة و بعيدة عن الأعين. طلبت شراب، دافئ، ، بعد قليل ا
مرّ شهرٌ آخر و علياء تعيش كالشبح في زنزانتها، تتناول فقط ما يبقي أنفاسها على قيد الحياة بآلية ميتة و جافة لكن في أحد الصباحات، شعرت بإعياء حاد و غريب تماماً لم تعهده من قبل؛ دوار شديد غلف حواسها، و غثيان مستمر اعتصر أحشاءها المنهكة رغماً عن معدتها الفارغة. كتمت علياء ألمها بحذر، و انتظرت اللحظة التي يغادر فيها سليم القصر لمتابعة أعماله في البرج، و خرجت بمفردها دون أن يعلم بدخولها المستشفي أو يلحظ غيابها أحد . قادت سيارتها بيدين ترتجفان و عقل يشتعل بالوجل، حتى وصلت إلى الجناح الطبي الخاص بالمستشفى الدولي جلست علياء داخل مكتب الطبيب المسؤول بعد إجراء الفحوصات الشاملة و تحاليل الدم الدقيقة دلف الطبيب و هو يمسك بالتقرير الطبي، و ملامحه تحمل وجوماً ممزوجاً بدهشة بالغة، و جلس أمامها قائلاً بنبرة وقورة و صوت منخفض: — «مدام علياء... التقرير الطبي الذي بين يدي الان يحمل مفاجأة و. قنبلة حقيقية؛ أنتِ حامل في الأسبوع العاشر الآن.» تجمدت الأنفاس في صدر علياء بالكامل، و صاحب نبض قلبها بجنون مفرط شل تفكيرها، و اتسعت حدقتاها بذهول خالص ، و هتفت بنبر
مرّ شهرٌ كاملٌ على ذلك الصباح المشؤوم، ثلاثون يوماً انطوت و قصر آل الألفي يغرق في أجواء خانقة و ثقيلة تحولت الغرفة المستقلة لعلياء إلى زنزانة اختيارية، و انقطعت كل خيوط اتصالها بالعالم الخارجي، و رفضت تجاوز عتبة بابها لثانية واحدة. دخلت علياء في نوبة اكتئاب حاد و شرس، و جلست فوق فراشها كالجثة الهامدة، تنظر إلى السقف بملامح ميتة و عينين مطفأتين غاب عنهما كل ذكائها و رونقهم . و الأقسى من ذلك، أنها أعلنت إضراباً صامتاً و قاسياً عن تناول أي الطعام ؛ كانت ترفض الصواني الفاخرة التي يُرسلها سليم مع المربيات، و تكتف ببضع رشفات صغيرة من الماء تبقيها على قيد الحياة رغماً عنها.فشلت كل محاولات سليم الألفي في إخراجها من تلك العزلة أو كسر إرادتها الجافة . كان يدخل غرفتها كل ليلة، متخلياً عن كبريائه و نفوذه، ليقف أمام سريرها و عيناه تشتعلان برعب حقيقي و عذاب عارٍ لم يذقه يوماً في معاركه الاقتصادية كان يراها تذبل و تذوب أمام عينيه، و جسدها الفخم ينحف و صوتها يغيب، لتتحول كل يوم إلى شبح باهت و مسخ ميت في مساء أحد الأيام، بعد أن أرجعت المربية صين
قبل ثلاث سنوات أغلق سليم الألفي الملف أمامه بعصبية خفيفة، ثم رفع عينيه نحو الرجال الجالسين حول طاولة الاجتماع الطويلة. — ميناء الجنوب لازم يدخل تحت سيطرتنا بالكامل قبل نهاية السنة… الكيلاني بدأ يتمدد أسرع من المتوقع. ساد الصمت لثوانٍ داخل قاعة الاجتماعات قبل أن يتحدث أحد المدراء بتردد: — لكن ي
كان الليل هادئاً على غير عادة المدينة.هدوء ثقيل و مخادع، يشبه اللحظات القليلة التي تسبق العواصف الكبرى.جلست علياء فوق الأريكة الطويلة في مكتبة القصر، تضم ساقيها قليلاً تحتها بينما تقلب صفحات أحد الكتب القديمة بشرود. لم تكن تقرأ حقاً؛ كانت عيناها تتحركان فوق الكلمات د
قاطع سكون المكتبة الدافئ صوت نقرات سريعة و حازمة على الباب الخشبي الثقيل.اختفى ذلك الهدوء الناعم الذي غلّف الصباح خلال اللحظات الماضية فورًا، و كأن الهواء نفسه أدرك أن شيئًا غير اعتيادي يقترب.رفع يوسف عينيه ببطء نحو الباب.— ادخل يا عدنان.انفتح الباب مباشرة، و دلف عدنان بخطوات سريعة و مدروسة. كا
: دفء غامض عاد الضباب ليغلف مدينة ڤالورا في صباح اليوم الخامس، كثيفًا و باردًا حتى بدت النوافذ الشاهقة لقصر يوسف الكيلاني و كأنها تعزل العالم الخارجي تمامًا. لكن داخل القصر، كان هناك شيء مختلف قد تغيّر منذ ليلة المرفأ.شيء أكثر هدوءًا.و أكثر خطورة.في تمام الساعة الثامنة و ثلاث دقائق صباحًا، دخلت







