LOGINاحمر وجه نور خجلًا، وتمتمت:
أعتذر... لم أقصد. ابتسم خالد وهو يمد يده إليها بالمفتاح مرة أخرى وقال بلطف: لا داعي للاعتذار... لكن بما أنكِ سلمتِني المفتاح بالفعل، أعتقد أن من واجبي أن أصفّ السيارة كما طلبتِ. نظرت إليه نور باستغراب، ثم لم تستطع منع نفسها من الابتسام لأول مرة منذ وصولها. شكرت نور خالد بابتسامة خفيفة، واتجهت إلى داخل المنزل. وما إن دخلت حتى وقعت عينا لين عليها. أسرعت إليها من دون تردد واحتضنتها بقوة وهي تقول بقلق: نور... أخيرًا وصلتِ. بادلتها نور العناق بصمت، لكن لين شعرت من ارتجاف جسدها أنها كانت تحاول جاهدة كتم دموعها. أمسكت لين بيدها وقالت برفق: تعالي، لنصعد إلى غرفتي. أومأت نور بصمت، ثم صعدتا معًا إلى الغرفة. أغلقت لين الباب، وأجلست نور على الأريكة، ثم جلست بجانبها وهي تمسك بيديها قائلة بحنان: أخبريني... ماذا بك؟ ماذا حدث؟ خفضت نور رأسها، وظلت صامتة لعدة ثوانٍ، ثم خرج صوتها مكسورًا: لقد... انفصلت أنا وسيف. تجمدت لين في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة. ماذا؟! كيف؟ أنتما كنتما بخير ... ماذا حدث؟ ابتسمت نور ابتسامة باهتة سرعان ما اختفت، ثم امتلأت عيناها بالدموع من جديد. قالت بصوت مرتجف: كنت أظن أننا سنكمل حياتنا معًا... لكن يبدو أنني كنت أحلم فقط. جلست لين أقرب إليها، ووضعت يدها على كتفها تربت عليها برفق، ثم قالت: لا تبكي يا نور... خذي نفسًا عميقًا، واحكي لي كل شيء من البداية. لن أقاطعك، وسأبقى معك مهما حدث. لم تتمالك نور نفسها أكثر، فألقت رأسها على كتف لين وانفجرت بالبكاء، بينما كانت لين تضمها بحنان، تنتظر بصبر حتى تهدأ وتخبرها بما حدث بينها وبين سيف. بعد أن هدأت نور قليلًا، مسحت دموعها بطرف كمها، فأخذت لين نفسًا عميقًا وقالت وهي تربت على يدها: الحقيقة يا نور... سيف شخص سيئ، وما حدث ربما يكون إشارة من الله ليبعده عنك. أنتِ تستحقين رجلًا يقدّرك ويحبك كما أنتِ، لا شخصًا يجعلك تبكين بهذه الطريقة. وصدقيني... أنتِ أجمل منه بكثير، وستجدين من يستحق قلبك. ضحكت نور رغم دموعها، وقالت وهي تمسح عينيها: يبدو أنك أصبحتِ خبيرة في المواساة. ضحكت لين وقالت بمزاح: بالطبع، هذه خدمة مجانية لصديقتي المفضلة. ساد الصمت لثوانٍ، ثم التفتت نور إليها بنظرة ماكرة، وابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيها. وقالت وهي ترفع حاجبيها: حسنًا... كفى حديثًا عني. أخبريني أنتِ، ماذا عنكِ وعن ريان؟ هل أصبحتما بخير؟ ثم غمزت لها غمزة جعلت لين تضحك بخجل. قالت لين وهي تهز رأسها: ها هي صديقتي عادت إلى طبيعتها. وفي تلك اللحظة، صدر صوت إشعار من هاتف لين. أخرجته لتقرأ الرسالة، وما إن رأت اسم ريان حتى ارتسمت ابتسامة لا إرادية على وجهها، ثم سارعت بإخفاء شاشة الهاتف عن نور. ضيقت نور عينيها وهي تراقبها، ثم قالت بصدمة مصطنعة: يا خائنة! تخفين عني الرسائل الآن؟ أخفت لين الهاتف خلف ظهرها وقالت بخجل: هذه... أمور شخصية. وقبل أن تنتبه، انقضت نور بسرعة وخطفت الهاتف من يدها. صرخت لين: نور! أعيدي الهاتف! لكن نور كانت أسرع، فقفزت من مكانها وضحكت بصوت عالٍ وهي تركض خارج الغرفة وهي تلوح بالهاتف. إذا كانت أمورًا شخصية... فسأقرأها بنفسي! شهقت لين واتسعت عيناها، ثم ركضت خلفها وهي تصرخ: نور! أقسم إن لم تعيدي الهاتف الآن فسأقتلك! تعالت ضحكات نور وهي تجري في الممر . فجأة، وبينما كانت نور تركض وهي تضحك، اصطدمت بجسدٍ صلب، فلم تستطع التوازن، وسقطت فوق صاحبه. أطلقت تأوهًا خافتًا وهي تفرك جبينها: آه... ما هذا؟ أما لين، التي لحقت بها بعد ثوانٍ، فما إن رأت المشهد حتى انفجرت ضاحكة وهي تشير إليها: تستحقين! هذا جزاء من يسرق هواتف الناس. لكن خالد لم يكن يسمع شيئًا. كان ينظر إلى الفتاة التي سقطت فوقه، وقد تجمد في مكانه للحظات. رفعت نور رأسها ببطء، فالتقت عيناها بعيني خالد. ساد صمت قصير، وكأن العالم من حولهما اختفى. ظل كل منهما ينظر إلى الآخر لعدة ثوانٍ دون أن ينطق بكلمة. شعر خالد بأن قلبه يخفق بقوة على غير عادته، ولم يفهم سبب ذلك، بينما شعرت نور بالارتباك، فسارعت إلى النهوض وهي تبعد خصلات شعرها عن وجهها. قالت بخجل: أ... أنا آسفة، لم أقصد. ابتسم خالد ابتسامة هادئة وقال: يبدو أنكِ معتادة على الاصطدام بي. تورد وجه نور، لكنها تذكرت الهاتف الذي كانت تخفيه، فأسرعت تقف خلف خالد، وجعلته كأنه درع بينها وبين لين. ثم بدأت تحاول فتح هاتف لين وهي تقول بتحدٍّ: لن أهرب قبل أن أعرف ماذا أرسل لكِ زوجك! توقفت لين أمامهما وهي تلهث من كثرة الركض، وقالت بغضب ممزوج بالضحك: نور! أعيدي الهاتف فورًا!تنفّس خالد بعمق وكأنه يحاول تهدئة القلق الذي بداخله، لكن ملامحه بقيت مشدودة ولم تختفِ آثار التوتر من عينيه. في تلك اللحظة، رنّ هاتفه، فنظر إليه بسرعة، ثم أجاب بجفاف:_ نعم؟جاءه صوت الطرف الآخر يبلّغه بأن مقابلات العمل جاهزة، فأجاب خالد دون تردد وبنبرة حازمة:_ أجّلها جميعاً.ساد صمت قصير من الطرف الآخر، ثم أضاف المتصل:_ حاضر.أغلق خالد الهاتف، ثم بقي واقفاً في مكانه للحظة، ينظر نحو باب الغرفة بصمت ثقيل، وكأن كل ما يهمه الآن ليس العمل ولا المواعيد، بل الاطمئنان على نور فقط. بعد أن اطمأنوا على نور، اتجه خالد إلى غرفته، وعادت لين لتبقى بقربها، بينما ذهب ريان إلى عمله.نامت نور، ثم استيقظت فجأة وهي تلهث بعد أن رأت كابوساً مرعباً فيه سيف، ففتحت عينيها بسرعة، وقلبها يخفق بقوة، ثم أخذت نفساً عميقاً عندما أدركت أن ما رأته كان مجرد حلم. نظرت حولها، فوجدت أن الليل قد حلّ، ورأت لين نائمة بجانبها، فبقيت لحظات تحاول تهدئة نفسها، ثم نهضت بهدوء حتى لا توقظها، وتوجهت إلى المطبخ لتشرب الماء.في تلك اللحظة، كان خالد مستيقظاً في المنزل، فسمع حركة خفيفة في الممر، وانتبه فوراً، ثم خرج من غرفته متجه
اقترب منها بخطوات حذرة للغاية، ثم انحنى قليلًا على ركبتيه نحوها، خالعاً سترته الجلدية السوداء الثقيلة، محاولاً تهدئتها والاقتراب دون أن يزيد من خوفها أو يذعرها.قال بصوت منخفض جداً، دافئ ومهتز من شدة التأثر:_ نور… اهدي ، انتهى كل شيء، أنا هنا بجانبكِ، لن أسمح لأي كلب في هذا العالم أن يؤذيكِ أو يلمس خصلة من شعركِ بعد الآن... أنتِ بأمان معي.لكن نور لم تستطع الرد أو النطق، بل ازدادت شهقات بكائها وعويلها، ودفنت وجهها بين ذراعيها المرتجفتين أكثر، رافضة رؤية العالم.أخرج خالد هاتفه بسرعة واتصل بالشرطة بكلمات حازمة وصارمة من أجل أخذ سيف وتوجيه تهمة الشروع في الاغتصاب المشهود له، ثم التفت لنور برقة متناهية. وضع سترته الثقيلة الكبيرة حول جسدها وغطى به ثيابها الممزقة بالكامل، ثم انحنى وحملها برفق وأناة بين ذراعيه القويتين، ممسكاً بها بقوة لتستمد الأمان من صدره العريض، ووضعها في الكرسي الأمامي للسيارة بحذر، وقفل الأبواب. ثم اتجه بسيارته بسرعة نحو منزل العائلة الكبير لأنه ببساطة لا يعرف عنوان منزلها ولا يمكنه تركها في هذه الحالة المرعبة وحدها.في تلك اللحظة بالقصر، كانت لين تجلس في الحديقة
رفعت نور ذقنها بثبات وتحدٍّ، رغم أن قلبها كان يخفق برعب وقوة كاد يخرج من صدرها، وقالت بصوت قاطع:• انتهى كل شيء وبلا عودة يا سيف... ولن أعود إليك مهما فعلت وتوسلت، لقد قذفتك من حياتي!سخر سيف وارتسمت على شفتيه ابتسامة مقرفة، وقال ببرود مقزز:• أتظنين أنكِ بريئة؟ ثم ما المشكلة إن كنت في السرير مع فتاة أخرى؟ نحن لم نتزوج بعد كعقد رسمي، ويمكنني قانوناً وفعلياً أن أفعل ما أشاء مع أي عاهرة، ولا يحق لكِ التدخل في حياتي أو محاسبتي!ثم اقترب منها خطوة إضافية خبيثة، وأضاف بنبرة حادة ومهينة:• ثم إنكِ أنتِ معقدة، ولا تسمحين لي حتى بالاقتراب منكِ أو لمسكِ طوال فترة الخطوبة... فماذا كنتِ تنتظرين مني كأيقونة صامتة؟ أن أترهب؟ثم قال بحدة قذرة وعينيه تتفحصان جسدها:• لا تقولي إنكِ كنتِ تحافظين على نفسكِ الشريفة من أجلي... بل كنتِ تدخرينها لرجل آخر وتتمنعين عليّ!اتسعت عينا نور من شدة الصدمة والذهول بعد سماع كلماته الطاعنة في شرفها، وشعرت برغبة في البكاء من وقاحته. لكنه لم يعطها فرصة، بل اقترب منها أكثر وبسرعة فائقة، وحاصر خصرها بذراعه القوية، وانحنى نحو أذنها وه
اقترب ريان منها وربت بخفة وحنان على رأسها ممرراً أصابعه في شعرها قائلاً:• يبدو أنكِ لا تستطيعين التوقف عن المشاغبة والتدخل في حياة الآخرين أيتها الطفلة.رفعت لين ذقنها بتكبر مصطنع ودلال أثار جنونه:• أنا لا أتدخل... أنا فقط أصنع النهايات السعيدة للعشاق.ابتسم ريان وهو ينظر إلى شفتيها الكرزيتين بإعجاب وشغف كبيرين، ثم قال بصوت أجش:• آمل فقط ألا تنتهي خطتكِ الذكية بكارثة عائلية.ضحكت لين بثقة مطلقة وقالت:• مع وجود ذكائي؟ مستحيل تماماً.اقترب ريان منها ببطء شديد، حتى لم يعد يفصل بين وجهيهما سوى مسافة صغيرة تكاد تنعدم. نظر إلى عينيها العسليتين الشغوفتين للحظات، ثم رفع يده برقة يزيح خصلة متفلتة من شعرها الغجري خلف أذنها.همس بصوت هادئ ومثير أرسل قشعريرة في جسدها:• يبدو أن غيرتي البارحة وغضبي كانا بلا سبب وعملا غباءً... اعتذر منكِ يا زوجتي الجميلة.ابتسمت لين بخجل وود، ولم تبتعد هذه المرة بل استسلمت لقربه. اقترب أكثر، ووضع يده خلف رأسها، ثم طبع قبلة رقيقة، دافئة ومليئة بالاعتذار والشوق على شفتيها الناعمتين. أغمضت لين عينيها، ولم تمنعه ه
سعل خالد بخفة وبحرج واضح وقال:• يبدو أنني تذكرت خطأ... جدول أعمالي فارغ تماماً اليوم. أخبريني بسرعة، أين هي بالضبط؟ضحكت لين أخيراً وقالت بانتصار:• كنت أعلم تماماً أنك ستقع في الفخ من أول كلمة!تنهد خالد باستسلام تام أمام مكرها:• يكفي سخرية أيتها المشاغبة، أخبريني أين هي ودعينا من كلامكِ.ابتسمت لين بانتصار وقالت:• الشاطئ الغربي، تجلس قرب الصخور... لا تتأخر، لكن تذكر، هي لا تعلم أنك قادم، فلا تفسد الأمر.قال خالد بنبرة قوية وثقة:• ممتاز... وداعاً الآن.وأغلق الخط بسرعة فائقة. نظرت لين إلى شاشة الهاتف وهي تضحك بهستيرية خفيفة، ثم همست لنفسها بشرر ومكر:• الآن... لنرَ ماذا سيحدث بين هذين الاثنين، ستكون بداية مشوقة.استيقظ ريان على همساتها وحركتها بجانبه، ففتح عينيه ببطء ونظر إليها بنعاس وجاذبية رجولية قائلاً بصوت مبحوح:• هل أنتِ بخير الآن؟ هل خف الوجع؟ابتسمت لين ابتسامة خفيفة وصادقة، وأومأت برأسها:• نعم... أنا بخير تماماً، بفضلك.وقعت عيناه فجأة على شاشة هاتفها التي لم تنطفئ بعد، فرأى اسم "خالد" ما يزال ظاهراً في قائمة المكالمات الأخيرة بعد انتهاء الاتصال. في ثانية واحدة،
اتسعت عيناه برعب وقلق حقيقيين، فانحنى أمامها بسرعة على ركبتيه وجذبها إليه قائلاً بصوت متهدج:• لين... ماذا بكِ؟ تكلمي، أخفتِني! هل أنتِ مريضة؟رفعت رأسها بصعوبة بالغة، ونظرت إليه بعينين ذابلتين، وهمست بين أنفاسها المتقطعة والباكية:• بطني... يؤلمني كثيراً... لا أحتمل...ازداد قلقه وتملكه الذعر، ومد يديه ليقودها قائلاً بحزم وخوف:• هيا، سنذهب إلى المستشفى حالاً، سأحملكِ!هزت رأسها بالنفي بسرعة وهي تحاول التقاط أنفاسها وسط خجلها الشديد منه:• لا... لا داعي للمستشفى... إنها... الدورة الشهرية فقط.تجمد ريان في مكانه للحظة، واستوعب طبيعة الأمر، وفهم سبب الألم الشديد، لكن رؤيتها تبكي وتتألم بهذه الطريقة المأساوية لم تطمئن قلبه أبداً. قال بنبرة هادئة ودافئة للغاية، خالية من أي أثر لغضب الأمس:• حتى لو كان السبب معروفاً وطبيعياً، لا يجب أن تتحملي هذا الألم الفظيع وحدكِ وأنتِ على البلاط البارد.ثم انحنى، وحملها برفق شديد بين ذراعيه العريضتين، كأنها قطعة من الزجاج الثمين يخشى عليها أن تنكسر من أقل لمسة. شهقت لين بخفة من المفاجأة، وقالت بنبرة خجولة وصوت مبحوح:• ريان... أنزلني أرجوك، أستطيع







