로그인أشرقت شمس الصباح لتتسلل أشعتها الدافئة عبر الستائر الحريرية للجناح الفسيح.
لم تكن تلك خيوط فجرٍ دافئ تحمل معالم بداية جديدة لعروسين، بل كانت أشبه بضوء كاشف يبرز حجم الذهول الذي استقر في روح “ميلا” طوال الليل. لم تذق ميلا طعم النوم؛ أمضت ساعاتها وهي تتأمل سقف الغرفة، مرتديةً ثوباً قطنياً أبيض ناعماً وبسيطاً، تاركةً فستان الزفاف الفاخر ملقىً على الأريكة كجثة حلمٍ مشوه. نهضت بخطوات مرتجفة، وغسلت وجهها لتحاول طرد الشحوب عن ملامحها، ثم فتحت باب غرفتها وتوجهت نحو الصالة الرئيسية للجناح، وعيناها تلمعان بقلة حيلة. كان “إيڤان” هناك بالفعل. يجلس بكامل أناقته العملية ووقاره الطاغي خلف طاولة خشبية دائرية، يرتدي قميصاً أسود فاخراً برزت منه عضلات ساعديه، وساعته الثمينة مستقرة في معصمه. كان يرتشف قهوته المرة ويطالع بعض الأوراق الاقتصادية بتركيز حاد، ولم يكن يبدو عليه أي أثر للسهر أو التعب. بمجرد أن أحس بحركتها، رفع عينيه الرماديتين الحادتين نحوها. تغيرت ملامحه الجادة فوراً إلى ذلك اللطف المعهود والدفء الذي نشأت عليه، ووضع أوراقه جانباً قائلاً بصوته الرجولي العميق: — “صباح الخير يا ميلا.. هل نمتِ جيداً؟ لقد طلبتُ لكِ وجبة الإفطار المفضلة لديكِ، يجب أن تتناوليها كاملة.” نظرت ميلا إلى مائدة الطعام الحافلة بما تحب، وشعرت برغبة عارمة في البكاء. تقدمت بخطوات مرتبكة وجلست في المقابل، ويداها ترتجفان وهي تحاول إمساك كوب الماء؛ كيف يمكن لهذا الرجل أن يكون بهذا الحنان وذاك الجمود في آنٍ واحد؟ قالت بصوت متقطع وخافت: — “صباح الخير.. شكراً لك، ليس لدي رغبة في تناول الطعام الآن.” عقد إيڤان حاجبيه بخفة، وظهرت في عينيه نظرة رعاية صارمة ومحببة. مد يده وقرب كوب العصير منها قائلاً بنبرة آمرة مغلفة بالدلال: — “لا وجود لأعذار كهذه يا صغيرتي.. صحتكِ هي مسؤوليتي الأولى، والآن أكثر من أي وقت مضى.” في تلك اللحظة، رنّ جرس الباب الخارجي للجناح. التفت إيڤان بهدوء ونهض ليفتح الباب بنفسه، بينما بقيت عينا ميلا معلقتين بظهره، وجسدها يتصلب بتوجس. ثوانٍ معدودة، ودخلت خلفه امرأة جعلت أنفاس ميلا تتوقف تماماً، واتسعت عيناها بذهول جرح أنوثتها. كانت “إيلينا”. ترتدي بدلة نسائية رسمية باللون الأبيض العاجي، تنضح بالرقي والثقة، وتضع نظارتها الشمسية فوق رأسها لتبرز ملامح وجهها الحادة والجميلة. لم تكن تبدو كغريبة تقتحم خصوصية عروسين في أول صباح لهما، بل كانت خطواتها واثقة ومتزنة للغاية. التفتت إيلينا نحو ميلا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة وعملية، ثم تقدمت نحوها وقالت بنبرة ناعمة وواضحة: — “صباح الخير يا ميلا.. أتمنى أنني لم أزعجكما، لكن صفقة الصباح مع المستثمرين الأجانب حاسمة جداً، وكان عليّ إحضار العقود النهائية لـ إيڤان بنفسي قبل توجهنا للشركة.” بقيت ميلا صامتة، تنظر إليها بذهول تام وصدمة ألجمت لسانها. التفتت ببطء لتراقب ردة فعل زوجها. فرأت إيڤان يتقدم ويأخذ الملفات من إيلينا، وكانت النظرة المتبادلة بينهما تفيض بتفاهم عميق ونضوج مشترك، يفوق مجرد علاقة عمل عادية. لم يكن هناك ذرة ارتباك في عيني إيڤان، بل ثقة مطلقة وارتياح دافئ لوجود إيلينا بجانبه، وكأنها جزء لا يتجزأ من حياته، حتى في هذا الصباح. قال إيڤان وهو يراجع الأوراق بسرعة ورصانة: — “لقد فعلتِ خيراً بإحضارها يا إيلينا.. التوقيت ممتاز.” ثم التفت نحو ميلا، وبذات اللطف الدافئ والأخوي أردف: — “ميلا.. سأضطر للمغادرة الآن مع إيلينا لإنهاء هذه الصفقة المستعجلة، السائق بالأسفل تحت تصرفكِ إن أردتِ العودة إلى القصر أو زيارة والدتي ڤيكتوريا.. لن أتأخر عليكِ.” كانت ميلا تستمع إليه، وعيناها تتنقلان بينهما بضياع كامل. اللطف الذي يغمرها به بات يشعرها بالاختناق، والذهول شلّ قدرتها على الرد أو حتى الاعتراض. أومأت برأسها ببطء شديد، ودون أن تنطق بكلمة واحدة، انكمشت على نفسها في مقعدها، وعيناها معلقتان بطرف الطاولة بعجز تام. لمح إيڤان نظرة الضياع والصدمة في عينيها العسليتين، ووقع صمتها المفاجئ جعله يشعر بوخزة خفيفة في صدره. لكنه أشاح بنظره سريعاً، مبرراً الأمر لنفسه بأنها ما زالت طفلة خائفة من الأجواء الجديدة ومتأثرة بفقدان والدها. استدار إيڤان وغادر الجناح برفقة إيلينا، تاركاً خلفه باباً يُغلق… وميلا واقفة في منتصف الصالة، تتلفت حولها بذهول، ودموعها تهبط بصمت وهي تستوعب الحقيقة المُرّة: لقد تزوجت رجلاً يحميها ببدنه، بينما عقله وروحه ينتميان تماماً لامرأة أخرى.خيم الصمت المطبق على أروقة الفندق بعد منتصف الليل، وانطفأت معظم الأنوار لتترك المكان غارقاً في ظلال هادئة وثقيلة. في غرفتها، كانت مِيلَا لا تزال مستيقظة، تجلس بصمت تطيل النظر إلى الأضواء البعيدة للمدينة، بينما تتردد في ذهنها تفاصيل ذلك اليوم الطويل؛ برود إيڤان المفتعل، حضور شارلوت المستفز، وتلك المسافة القاسية التي فرضها بينهما أمام الجميع. كانت تشعر بغصة حارقة في صدرها، وبغضب صامت يمنعها من النوم، رغم كل محاولاتها لإقناع نفسها بأنها مجرد مستشارة. على الجانب الآخر، لم يكن إيڤان قادراً على النوم أيضاً. كان الشوق يمزق صدره، ورغبته العارمة في رؤيتها والاطمئنان عليها كانت تحرقه، لكنه بقي متمسكاً بطبعه المهيب وقناعه المتسلط. أخذ مفتاحه الاحتياطي، وتسلل بهدوء تام في الممر الطويل حتى وقف أمام باب غرفتها، فتحه بخفة ودخل بخطوات واثقة وصامتة. التفتت مِيلَا بفزع حين سمعت صوت الباب، لتجده يقف أمامها في نصف الظلام. انتظرت أن يندفع نحوها أو يظهر أي ضعف، لكن إيڤان حافظ على ملامحه الصلبة والباردة تماماً، وبدا وكأنه يمارس سلطته المعتادة دون أي اكتراث ظاهري. عقدت حاجبيها بذهول واستفزاز، ووقفت قائلة
أشرقت شمس اليوم الثاني للمؤتمر لتضفي أجواءً من التوتر الخفي داخل قاعات الاجتماعات الكبرى. كانت الطاولات تمتلئ مجدداً بكبار الشخصيات ورجال الأعمال النافذين، بينما استقرت مِيلَا في مكانها المعتاد إلى جانب إيڤان، محاولة تجاهل نظرات تشارلز الماكرة التي كانت تتربص بهما عن بعد. لكن ما لم يكن في الحسبان، هو فتح الأبواب الكبرى للقاعة لتدخل **شارلوت** بخطوات واثقة تلفت الأنظار، متوجهة مباشرة نحو طاولتهما. وقفت بجانب إيڤان، وانحنت بجرأة لتهس بصوت سمعه من حولهما، قبل أن تسحب المقعد وتجلس بالقرب منه بطريقة عفوية لكنها مقصودة لتظهر وكأنها جزء أساسي من دائرته الخاصة والمكان الذي يجلس فيه. بدأت الهمسات تتناثر تدريجياً بين الحاضرين في القاعة؛ فالعالم هنا يلاحظون كل تفصيل، وصاروا يتساءلون بهمز ونمز عن تلك المرأة التي تفرض نفسها بجانب إيڤان بمثل هذه الثقة، بينما بدت مِيلَا كأنها مجرد شخص عابر في الصورة. حاول إيڤان الحفاظ على هدوئه وجموده، ولم يبادر بإبعاد شارلوت أو تصحيح الموقف، ليس حباً في قربها، بل لأنه أراد إبقاء الأنظار بعيدة عن مِيلَا وحمايتها من أن تصبح هدفاً مباشراً لفضول الذئاب وأعين تشار
مرت الساعات التالية من المؤتمر كأنها دهور ثقيلة. كانت مِيلَا قد عادت إلى مقعدها بجانب إيڤان، محاولة بكل ما أوتيت من قوة أن تبدو طبيعية وغير آبهة بما حدث في الممر المعتم، لكنها كانت تشعر ببرود نظرات تشارلز تلاحقها من الطرف الآخر للقاعة كظل لعين يتربص بفريسته. أما إيڤان، فلم يكن غافلاً عن ذلك التوتر الخفي؛ فقد لاحظ كيف كانت عيون تشارلز تحوم حولهما طوال الوقت، وكيف كانت ملامح مِيلَا تحاول إخفاء شيء تعمدت كتمانه عنه. كان الغليان يدب في عروقه، وتكاد أعصابه تنفجر من الشك والغيرة التي كانت تفتك بصدره، لكنه أجبر نفسه على التماسك التام حتى تنتهي جلسات اليوم الأول رسمياً وتفرغ القاعة من الحاضرين. ما إن أُسدلت الستائر على فعاليات اليوم وأُغلقت الأبواب، حتى نهض إيڤان بسرعة بملامح متصلبة وصارمة، ومد يده ليقبض على معصم مِيلَا بقوة حازمة لا تقبل الجدل، ساحباً إياها خلفه خارج القاعة وسط ذهول الموظفين والمنظمين. لم يتحدث بكلمة واحدة طوال طريقهما في الأروقة الفخمة، بل بقي ممسكاً بها حتى وصلا إلى الجناح الملكي وأغلق الباب خلفهما بمفتاح الغرفة محكماً أقفاله بعنف. استدار نحوها وفكه منقبض حتى ظهرت العضل
بعد انتهاء تلك المواجهة المشحونة، انسحبت مِيلَا بهدوء متعللة بالذهاب إلى دورة المياه، محاولة الهروب قليلاً من زحام القاعة ونظرات إيڤان التي كانت تحرق ظهرها من شدة المراقبة. كانت خطواتها سريعة في الممر الفسيح والمؤدي إلى الأجنحة الجانبية، تشعر بأن الهواء هنا أصبح أكثر ثقلاً، وكأن عيون تشارلز لا تزال تلاحقها حتى في تفاصيل المكان. دخلت إلى دورة المياه الفاخرة، وغسلت وجهها بماء بارد لعلها تستعيد هدوءها وتطرد ذلك الخفقان السريع الذي استوطن صدرها منذ حديث ذلك الرجل المغرور. لكن ما إن أغلقت صنبور الماء ورفعت بصرها نحو المرآة لتعديل خصلات شعرها، حتى تجمد الدم في عروقها. فتحت باب المقصورة لتخرج، لتتفاجأ بتشارلز واقفاً هناك في الممر الداخلي الهادئ، وكأنما كان ينتظر خروجها بفارغ الصبر. لم تكن هناك أي ملامح للرسمية أو المجاملة في وجهه، بل زينة ابتسامة ماكرة ومستفزة وهو يتكئ بكتفه على الحائط، قاطعاً عليها طريق الخروج تماماً. تراجعت مِيلَا خطوة إلى الوراء، وعقدت حاجبيها بملامح حادة ومحذرة، وقالت بصوت ثابت رغم رعشة قلبها الخفية: — "يبدو أنك ضللت طريقك يا سيد تشارلز... هذا الجناح مخصص للنساء." ت
استمرت جلسات المؤتمر، لكن الجو العام في القاعة تحول تدريجياً ليصبح مشحوناً بنوع آخر من التوتر. ذلك الرجل النافذ، الذي يُدعى **"تشارلز"**، والذي تخافه كبرى الشركات وتعمل له ألف حساب، لم يخفِ اهتمامه المفاجئ. منذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها قدماه المكان، استقرت عيناه الثاقبتان على مِيلَا. طوال فترة النقاشات، كان يتجنب النظر إلى منافسيه أو حتى إلى إيڤان نفسه، موجهاً كل تركيزه نحو تلك الفتاة اليافعة التي تجلس بهدوء إلى جانب مستشارها. كانت نظراته تجوب تفاصيلها بجرأة واستعلاء، وكأنه اعتاد على امتلاك كل ما يقع عليه بصره دون مقاومة. ومع انتهاء إحدى الجلسات واستراحة الحاضرين، لم يضيع تشارلز وقتاً؛ بل تحرك بخطوات واسعة وثابتة متجهاً مباشرة نحو الطاولة التي يجلس عليها إيڤان ومِيلَا. وقفت مِيلَا بترقب وحذر، بينما انتصب إيڤان في وقفته بملامح متصلبة وعيون داكنة تكاد تطلق شراراً، مدركاً تماماً النوايا الخفية وراء هذا الاقتراب. توقف تشارلز أمامهما مباشرة، وتجاهل تماماً التحيات الرسمية، ليثبت نظراته الماكرة نحو مِيلَا أولاً بابتسامة جانبية مستفزة، قبل أن يلتفت إلى إيڤان ويقول بصوت عميق وواثق يقطر
أشرقت شمس اليوم التالي لتنشر ضوءها البارد على تلك المدينة الأوروبية الكبيرة. في أروقة الفندق الفخم، كانت الاستعدادات جارية على قدم وساق لانطلاق مؤتمر رجال الأعمال السنوي، حيث اجتمعت أكبر الشخصيات وأكثرها نفوذاً في قاعات الاجتماعات الكبرى. وقبل أن يغادرا الجناح، وقفا معاً للحظات في ممر الاستقبال الداخلي. نظر إليها إيڤان نظرة أخيرة ليتأكد من أن كل شيء يبدو وفق التعليمات الصارمة، لتباغته مِيلَا بصوت هادئ ومنسق، يقطر برسمية باردة وكأنهما غريبان التقيا للتو: — "هل من أوامر إضافية يا سيد إيڤان؟ بصفتي مستشارتك، أود التأكد من أنني لن أرتكب أي خطأ يزعج سيادتكم خلال المؤتمر." تسمر إيڤان مكانه، وانقبض فكه بعنف حتى ظهرت العضلات بارزة على جانبيه. تلك النبرة الرسمية المصطنعة التي استخدمتها، وتلك الكلمات المتقنة التي تفصل بينهما بمسافات جليدية، أشعلت في صدره بركاناً من الغيظ والاستفزاز. لم يكن يطيق أن يسمع منها هذا الخطاب المهني الجاف، ولا أن تعامل نفسها كجرد موظفة تطلب توجيهاته، وهو الذي كان يكاد يفقد صوابه بقربها قبل أيام قليلة. خطا خطوة سريعة نحوها، محاصراً إياها بين جسده وجدار الممر، لتنخفض







