ログインاندفع عمر خارج غرفته دون أن يفكر، حتى إنه لم ينتبه أنه ما زال يلف المنشفة حول خصره فقط. كان الصوت قد تكرر مرة أخرى... صوت ارتطام مكتوم، أعقبه أنين خافت خرج من خلف الباب المغلق. أحضر المفتاح بسرعة، وأدار القفل بعنف، ثم فتح الباب. توقف مكانه. كانت ليلى ملقاة على الأرض بجوار السرير. أنفاسها متقطعة، ويداها تضغطان على رأسها بكلتا قوتيهما، بينما كانت تتمتم بكلمات غير مفهومة، وكأنها تتحدث مع شخص لا يراه أحد. "لا..." "أنا مش عايزة أروح..." "سيبوني..." عقد عمر حاجبيه، واقترب منها بسرعة. "ليلى!" لم ترفع رأسها. بل ازدادت رعشة جسدها، ثم شهقت فجأة وهي تحدق في ركن الغرفة، وعيناها متسعتان من الرعب. تبع عمر نظراتها... لم يجد شيئًا. عاد ينظر إليها. "بصيلي..." جثا على ركبتيه أمامها، وأمسك كتفيها برفق وهو يهزها قليلًا. "ليلى... فوقي." وفجأة... سكنت تمامًا. رفعت رأسها إليه ببطء. لكن... لم تكن تنظر إليه. كانت تنظر من خلاله. ثم خرج صوتها خافتًا... هادئًا... "هي واقفة وراك." تجمد عمر. لم يلتفت. ظل ينظر في عينيها فقط. أما هي... فكانت تتابع شيئًا
أغلق عمر باب الغرفة بالمفتاح، ثم بقي واقفًا أمامه للحظات، ويده لا تزال ممسكة بالمقبض. من الداخل... لم يعد يسمع سوى بكاء مكتوم. أما هو... فجلس على الأريكة المقابلة للباب، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم دفن وجهه بين كفيه. كان يشعر أن عقله على وشك الانفجار. كل ما حدث خلال الساعات الماضية كان أكبر من أن يستوعبه. هل كانت ليلى هي من تحدثت؟ أم أن اللعنة هي التي خرجت؟ وهل ما رآه كان حقيقيًا... أم أن الخوف بدأ يعبث بعقله؟ أخرج هاتفه فجأة، وبحث عن اسم واحد. ياسمين. لم يمر سوى ثوانٍ حتى جاءه صوت أخته. "خير يا عمر؟" قال بسرعة: "أنا محتاج منك خدمة." "قول." "روحي حالًا لبيت ليلى." سكتت لحظة باستغراب. "ليه؟" "قوليلها إننا سافرنا الغردقة يومين شغل ضروري، وإن مفيش شبكة كويسة هناك." قطبت ياسمين حاجبيها. "إيه؟ هو إنتو سافرتوا إمتى؟" أغمض عينيه بتعب. "ياسمين... أرجوكي." أدركت من نبرة صوته أن الأمر أخطر من أن تناقشه. "حاضر... هروح." بعد أقل من ساعة... كانت ياسمين تجلس أمام والدة ليلى. لكن ملامح السيدة لم تكن مطمئنة. ظلت تنظر إليها طويلًا، ثم قالت: "أنا عارفة بنتي." "مستحيل ت
مر أسبوع كامل... اختفى خلاله آدم تمامًا. في البداية ظن الجميع أنه انشغل بتحقيق جديد، خاصة أنه اعتاد أن يختفي أيامًا بسبب عمله الصحفي، لكن مع مرور اليوم الثالث دون أن يجيب على هاتفه، بدأ القلق يتحول إلى خوف. وبحلول نهاية الأسبوع... كانت صورته تملأ مواقع التواصل الاجتماعي. "الصحفي آدم شريف... ما زال مفقودًا." القنوات الإخبارية بدأت تتحدث عن اختفائه، خاصة بعد انتشار خبر ارتباطه بملف اختفاء رجل الأعمال مازن عبد الجواد. لم يُعثر على سيارته... ولا هاتفه... ولا أي كاميرا التقطت آخر تحركاته. وكأنه... تبخر. كان عمر يتابع الأخبار بصمت داخل مكتبه، بينما كانت أصابعه تضغط على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصلها. لم تغب عن ذهنه كلمة واحدة قالها مازن. "...وآدم... في خطر." أغمض عينيه للحظة. لكنه لم يجد تفسيرًا. ولا حتى خيطًا واحدًا يقوده إليه. وفي تلك اللحظة... رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. رقم مجهول. أجاب سريعًا. "ألو." جاءه صوت رسمي هادئ: "الأستاذ عمر السيوفي؟" "أيوه." "معاك الرائد حسام من إدارة المباحث." اعتدل عمر في جلسته. "إحنا محتاجين حضرتك تحضر
ما إن وصل الموظفون إلى الحمام حتى تعالت شهقات الفزع. كانت ليلى ملقاة على الأرض بلا حراك، وجهها شاحب إلى درجة أفزعت الجميع، وجسدها يرتجف ارتجافات خفيفة كأنها كانت تقاوم شيئًا لا يراه أحد. "ليلى!" لم ينتظر عمر أحدًا. اندفع داخل الحمام، وجثا بجوارها، ثم حملها بين ذراعيه دون أن يلتفت إلى نظرات الموظفين أو اعتراض الممرضات بالشركة. "افتحوا الطريق!" خرج بها مسرعًا، بينما ركضت سارة خلفه تبكي، أما رانيا فظلت واقفة مكانها، تنظر إلى ليلى بعينين ممتلئتين بالرعب، وهمست دون أن تشعر: "رجعت... رجعت تاني." لم تستغرق السيارة سوى دقائق حتى توقفت أمام المستشفى. كان عمر يحملها بين ذراعيه ويكاد يركض داخل الممرات. "دكتور... بسرعة!" اختفت ليلى خلف باب غرفة الكشف. وبقي هو واقفًا في الخارج. لأول مرة منذ سنوات... كان يشعر بالعجز. مر الوقت ببطء شديد. حتى خرج الطبيب أخيرًا. اقترب منه عمر بسرعة. "هي عاملة إيه؟" ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة. "اطمن... مفيش أي إصابة." تنفس عمر الصعداء. "بس حصلها انهيار عصبي شديد... غالبًا اتعرضت لصدمة قوية جدًا." قطب عمر حاجبيه. "تقدر تقول لي صدمة إيه؟" هز ال
لم تتوقف ليلى عن الركض إلا عندما وصلت إلى حمام السيدات، دفعت الباب بعنف ثم أغلقته خلفها وهي تلهث بقوة، وأسندت ظهرها إليه للحظات، بينما كانت أنفاسها تتصاعد بصورة غير منتظمة وكأنها هربت من كارثة حقيقية. رفعت يدها المرتجفة إلى شفتيها، ولمستها بخفة، ثم أغمضت عينيها بقوة وهي تهز رأسها في إنكار."لا... لا... أنا معملتش كده..."همست بها لنفسها أكثر من مرة، كأنها تحاول إقناع عقلها قبل أي أحد.دفعت نفسها نحو الحوض، وفتحت صنبور المياه بسرعة، ثم غرست كفيها تحت الماء البارد، وأخذت تغسل وجهها بعنف، حتى ابتلت خصلات شعرها.رفعت رأسها أخيرًا نحو المرآة...لتتجمد في مكانها.كانت ترى انعكاسها...لكن...لم تكن وحدها.خلفها مباشرة...وقفت امرأة.نفس طولها...نفس شعرها...نفس ملامحها...لكنها كانت أجمل بصورة مخيفة، وعيناها تحملان بريقًا جعل الدم يتجمد في عروقها، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة بطيئة، واثقة، كأنها تنظر إلى فريسة استسلمت أخيرًا.شهقت ليلى والتفتت بسرعة.لم يكن هناك أحد.عادت تنظر إلى المرآة...فوجدت نفسها وحدها.وضعت يدها على صدرها وهي تلهث."أنا... بتخيل."قالتها بصوت مرتجف.لكن قبل أن تبت
ظل الصمت يسيطر على المكان لعدة ثوانٍ بعد صرخة رانيا، حتى خرج عمر من مكتبه على الفور وهو يعقد حاجبيه بضيق. التفت جميع الموظفين نحوها، فكانت تقف وهي تتراجع إلى الخلف بوجه شاحب وأنفاس متقطعة، بينما كانت تشير بإصبع مرتعش نحو ليلى.اقترب منها عمر بسرعة وهو يقول بحدة:"في إيه؟! مالك؟"لم تستطع الرد في البداية، كانت عيناها مثبتتين على ليلى وكأنها ترى شيئًا لا يراه أحد، ثم خرج صوتها مرتعشًا:"عينيها... شفتوا عينيها؟!"نظر الجميع إلى ليلى في اللحظة نفسها.كانت تقف مكانها مذهولة، تنظر إلى رانيا بعدم فهم، حتى إنها التفتت حولها وكأنها تظن أن رانيا تشير إلى شخص آخر.قال عمر وهو يضيق عينيه:"عينيها مالها؟"ابتلعت رانيا ريقها بصعوبة وهي تشير إليها مرة أخرى."كانت... كانت بتبصلي بطريقة... مش دي ليلى... والله مش دي!"ساد الصمت لثوانٍ، ثم بدأ بعض الموظفين ينظرون إلى بعضهم باستغراب، بينما أطلقت سارة ضحكة خافتة وهي تحاول تهدئة الجو."إنتِ شكلك محتاجة تنامي يا رانيا."لكن رانيا لم تكن تمثل.كانت ترتجف فعلًا.حتى إنها ابتعدت خطوة أخرى وهي لا تزال تنظر إلى ليلى بخوف واضح.أما ليلى، فشعرت بالإهانة أكثر من أي