تسجيل الدخولسارة تقدمتُ وجلستُ على الطاولة، وقبل أن تجلس تيا بجانبي لتستأنف حصارها، احتل شقيقها سام المقعد المجاور لي فورًا. لم أستطع إخفاء زفرة الارتياح التي خرجت من صدري بصوت مسموع. لكن تيا جلست قبالتي تمامًا، وظلت تثرثر بنرجسية لا تنتهي عن الثياب والقصات الملائمة لجسدي. بدا وكأن كل من على الطاولة يعتاد تركها لدائرتها المغلقة وتجاهل شطحاتها، وكم شعرتُ بالكره والاشمئزاز تجاه ذلك التصرف! لقد جربتُ هذا الإحساس مرارًا وهو سخيف للغاية؛ ألا تهتموا بأحد، هذا شأنكم، لكن لا تتظاهروا بالاهتمام بصمت مزيف! التفتُّ نحو تيا، وابتسمتُ بهدوء مشحون بالتلميح والذكاء الحاد، معلقة قبالة الجميع: "تعرفين يا تيا.. أظنني كنتُ سأحب جدًا أن أجرب تلك المجموعة من تصميماتكِ، وربما ترتدينني إياها وتأخذين لي الصور.. ولكنكِ تتذكرين حتمًا المكالمة الهاتفية التي جرت بيننا منذ فترة قريبة، أليس كذلك؟ حين طلبتِ مني ذلك تحديدًا، ورجوتِني أن أرتدي فساتينكِ وأتصور بها للتسويق لمجموعتكِ، ولكنني رفضتُ طلبكِ بشكل حاد وقاطع، وحذرتُكِ من استغلال اسمي في تلك الظروف!" تجمّدت ملامح تيا على الطاولة، وسقطت ابتسامتها النرجسية ف
سارة استدار تحت أنظاري ناحية البيت، فركضتُ محاولةً اللحاق بخطواته الواسعة السريعة. غمغمتُ باللعنات في سري لأنه كان سيتسبب حتمًا في كسر ساقي بسباقات سرعته المجنونة. حين وصلنا أخيرًا أمام الباب الرئيسيّ، تجاهل وجودي تمامًا خلفه كعادته الجافة. ثوانٍ معدودة حتى فتحت الباب خادمة جميلة ترتدي ثوب عمل كحليًّا أنيقًا. عبر سام مسرعًا وتركني خلفه أعالج دهشتي، فعبستُ وغمغمتُ بمزيد من اللعنات المحشوة بغضب مكتوم. إنه يبدو كمريض نفسي مستعصي العلاج؛ كيف يتركني عند مدخل بيتهم دون دعوة أو كلمة ترحيب؟ أشارت لي الخادمة بابتسامة لطيفة للداخل، فعلقتُ بتهكم وأنا أعبر العتبة: "لم يفعلها مالك المنزل الأحمق ذاك." نظرت لي الخادمة بطرف عينها باندهاش خاطف، وهرب بؤبؤ عينها سريعًا نحو اتجاه معين في البهو. نظرتُ لنفس المكان بسرعة لأستكشف ما أفزعها، فوجدتُ رجلًا أشيبَ لم أره من قبل قط. لكن من عساه أن يكون ذلك الرجل الذي يقارب الستين من عمره، ويجلس على مقعد وثير منتظرًا أن تنتهي امرأة راقية من تقبيل وجنتي ابنها الأحمق الذي تركني عند الباب.. سوى والده؟ نظرتُ بسرعة إلى الخادمة بابتسامة عصبية محاولةً ترقيع
سارة لقبعة فوق رأسي لكنه أوقفني وجذبه مني: "لا، أتركِ شعرك هكذا، هذا الشعر الجميل لا يجب أن يحرم من الشمس." الحرارة صعدت لوجنتي الوردية، الآن كانت حمراء وما كنت أستطيع الإجابة، ابتسم ورفع القبعة الرياضية فوق رأسه، سار أمامي قليلًا، كان اللون الأحمر على رأسه جذاب ويجعله أصغر مما هو علىه، مستمتع بتوردي وصمتي. فتح باب السيارة الخلفي لكنني تجاهلته و صعدت نحو الأمام، قهقه و هو يغلق الباب خلفي ويلتف ليدلف إليها، جلس وأشعل الموتور لكنه لم يتوقف عن الضحك فزمجرت مقتضبة: "توقف عن الضحك الآن، ولا تنظر إلى إلا حينما نصل." قهقهته لم تتوقف، قضم شفتاه وعيناه تشملني: “رسميًا أنا واقع في غرام توردكِ وارتباككِ." ارتفع حاجبي صارخ والخجل يتآكلني: "سام." هز حاجبيه بإغاظة واختر أغنية هادئة لم أعرفها، مبتسم وسعيد ومنتشي، تحرك بالسيارة يديدن اللحن، بينما أنا متوردة مشوشة ولا أعرف بالضبط ما الذي أفعله بنفسي بحق السماء؟ لكنني كنتُ سعيدة للحظة هناك، قدمي لا تلامس الأرض، عقلي خاوي وروحي خفيفة، لم أكن أعرف السعادة لكن هذا لا يمكن ألا أن يكون سعادة. لكن مجددًا؛ ما الذي أفعله بنفسي وإلى أين سوف يأخذني
سارة حاولتُ طرد كل هذه الأفكار السوداوية من تفكيري والعودة إلى التخطيط لخطواتي القادمة فقط، لكنني للأسف فقدتُ حتى قدرتي الذهنية على التخطيط المستقبلي. "أنا سيئ الحظ كثيرًا اليوم." سمعتُ تعليقه المنبعث من الأمام، فأغلقتُ الحاسوب وأعدته إلى الحقيبة، وهمهمتُ باستفهام وأنا أتابع مشاهد الطريق الخارجي من النافذة: "ماذا؟" "حظي التعس أوقعني في رحلة مع فتاة جميلة، لكنها غير رومانسية بالمرة!" "أنا لستُ رومانسية؟!" هتفتُ باستنكار ورأيتُ ابتسامة منتصرة تلمع في عينيه عبر المرآة؛ لابد أنه كان يفكر طوال ذلك الوقت في طريقة تجعلني أنتبه إليه وأترك الحاسوب، لكن هذا لم يمنعني من المواصلة باستنكار: "أتقول إنني لا أملك مشاعر؟" "بل لديكِ مشاعر جياشة ومكرسة فقط للوحوش ومصاصي الدماء والقتلة المتسلسلين الذين يعشقون الدماء!" "أنت شخص سخيف يا سام." صمتُّ لحظة، ثم انفعلتُ في اللحظة التالية بحدة مفاجئة: "كل هذه القصص التي تسخر منها تحتوي على قصص حب رومانسية عميقة!" ابتسم بلا مبالاة ورفع كتفيه بلا اهتمام وهو يمسك بمقود السيارة: "ومع ذلك، هي ليست رومانسية حقيقية.. أنتِ لم تتعلمي من تلك القص
سارة رد التحية بنبرة خفيضة، ثم صمت لحظة وهو ينظر إلى الحقيبة الضخمة المعلقة خلف ظهري. ضيق عينيه بتوجس مستفهم وقال: "هل تنوين الهروب معي؟" من شدة ما كانت نبرته جادة، كدتُ أصدقه لبرهة! قهقهتُ بصوت خفيض وهززتُ رأسي مجيبة بأنفاس متقطعة: "إن كنتُ كذلك، فيبدو أن الأمر قد صدمك لأقصى حد!" "بالتأكيد؛ فأنا لم أهرب قط مع فتاة من قبل، ولذلك لا أعلم ما الذي يتوجب عليّ فعله في موقف كهذا." مططتُ شفتيّ مصطنعة التفهم والرزانة: "لا تقلق، لن أورطك في أمر كهذا قبل أن أخبرك مسبقًا لتتخذ احتياطاتك." تنفس الصعداء باصطناع، فاستقمتُ في وقفتي محاولة أن أوازيه في الطول، إذ كان يفوقني طولًا بكثير. أشرتُ إلى حقيبتي الثقيلة وقلت: "هذه الحقيبة تحتوي على حاسوبي وبعض الكتب كي أتسلى بها في الطريق، لا شيء فيها له علاقة بالهروب." رفع جانب فكه المغلق، ضاغطًا على حروفه بتسلٍّ: "اعترفي.. لقد فضلتِ فكرة الهروب أكثر." "بل اعترف أنت.. أُفضل الجلوس داخل السيارة الآن أكثر من أي شيء." زفر بخنق مصطنع، واستدار ليفتح باب السيارة المجاور لي. صعدتُ للداخل وأنا أخلع حقيبتي لأضعها فوق قدمي. راقبته بلمحات خاطفة وهو
سارة كيف يستمر المرء في حالة الحزن والكآبة؟ والأهم من ذلك: كيف يتخلص منهما حين يستبدان به؟ داعبني هذا السؤال الفلسفي المباغت بينما كنتُ أغسل أسناني أمام المرآة في ذلك الصباح الباكر. كنتُ أنظر إلى نسخة باهتة مني كالعادة؛ دائمًا باهتة لأنني ببساطة لا أملك رفاهية الاهتمام بنفسي كثيرًا، ولا تستهويني أدوات التجميل ووضع المرطبات وما شابه. غير أن تلك النسخة الباهتة كانت تحمل اليوم وجنتين مشبعتين بالاحمرار؛ ليس بفعل مساحيق التجميل، بل من كثرة الضحك المتواصل. فعقب استيقاظي المبكر جدًا عن موعد قدوم سام، قررتُ مشاهدة مسلسل كوميدي قصير على هاتفي، أفرض فيه على نفسي الضحك حينًا، وينجح هو في اقتناصه من قلبي رغمًا عني في أحيان أخرى، كأنني أحاول استجداء البهجة من الشاشة الصامتة. أنهيتُ تنظيف أسناني وترطيب وجهي بالماء البارد، ثم عدتُ أدراجي إلى غرفتي يصحبني الصوت المنبعث من جهاز التلفاز، والذي تعمدتُ إدارته لكسر حدة الصمت الثقيل الغارق فيه البيت. بيتٌ خاوي الأركان عقب شجار حاد اندلع بين جان وإيفا قبيل ليلة واحدة؛ شجارٌ لم أتدخل فيه ولم أراقب تفاصيله، بل اكتفيتُ بما أخبرتني به ابنة عمتي عن نتائجه
الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية. كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدا
هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعة
إدوار لارجرائحة خشب الأرو العتيق وملمع الأثاث الفاخر في مكتب مدير المدرسة الداخلية كانت تخنقني، تذكرني دائمًا بأنني لستُ سوى سجين في هذا المكان المعزول بضواحي لندن الباردة. كنتُ واقفًا بثباتٍ أمام المكتب الفخم، متعمِّدًا عدم الجلوس رغم النظرات الحادة التي كان يوجهها إليَّ السيد "هارينغتون" من خلف
ميلا فيليت في اللحظة التالية مباشرة، سمعتُ صوت إشعارات وصول الرسائل الجديدة في جهازي اللوحي مستجيبًا لكلماتها، وفي اللحظة التي تلتها كانت السيدة الفاتنة تسحب حقيبتها ونظارتها الشمسية من على الطاولة مغادرة المقعد. راقبتُ خطواتها الواثقة وهي تسير بنعومة ناحية الباب الخارجي، وقبل أن تفتح المقبض، اس







