مشاركة

الفصل الثامن

مؤلف: Mannar
last update تاريخ النشر: 2026-05-20 20:55:47

الفصل الثامن

تشريح الخيانة

كارلو

غرفة المراقبة كانت باردة كالثلاجة، وهواءها مشبع برائحة الأوزون المنبعث من أجهزة التبريد وشاشات المراقبة المتعددة.

جلستُ على كرسي الجلد الأسود أمام الجدار الزجاجي، عينيّ مثبتتان على الشاشات الست التي تعرض زوايا مختلفة للمشرحة السفلية.

الأضواء النيون الزرقاء والبيضاء تنعكس على طاولة الفولاذ في المنتصف، والجثة مغطاة بقماش أبيض ناصع، تنتظر من يكشف أسرارها. لم أكن أرى الجثة. كنتُ أراها هي.

إيلارا فيتالي.

طبيبتي الجميلة.

كانت تجلس في زاوية الغرفة على مقعد معدني، ساقيها متقاطعتان، يداها مضمومتان على ركبتيها. لم تكن ترتدي المعطف الأبيض بعد. شعرها الأشقر مربوط بذيل حصان مشدود يكشف عن خطوط رقبتها الطويلة وعنقها النحيف.

لم تكن ترتجف. لم تكن تبكي. لم تكن تتوسل. كانت تراقب الجثة كصياد يدرس فريسة ميتة، وعيناها العسليتان تلتقطان كل تفصيلة في الصمت.

هذا ما أدهشني أكثر من أي شيء آخر. ليس البرود نفسه، بل الدقة العاطفية في برودها. معظم البشر، حتى الأطباء الشرعيين المخضرمين، يظهرون ارتباكاً ثانوياً عند دخول مكان مغلق تحت الأرض، محاط بجدران حجرية، معزول عن العالم، تحت أنظار رجال مسلحين.

همومهم تظهر في حركات لا إرادية: لمس الشعر، تحريك القدم، تنهد سريع، نظرة خاطفة نحو الباب بحثاً عن مخرج.

أما هي؟ لا شيء.

جسدها متوازن، تنفسها منتظم، وعيناها تقيسان المسافة بين طاولة التشريح والكاميرات، بين باب الدخول وممر الخروج، بيني وبينها.

كانت تحسب الاحتمالات. وهذا يعني شيئاً واحداً: عقلها لا يزال يعمل بوضوح تام تحت الضغط. إما أنها مدربة تدريباً عسكرياً أو استخباراتياً، أو أنها تمتلك بنية نفسية نادرة لا تنكسر بل تتصلب.

أدارت رأسها فجأة نحو الكاميرا المثبتة فوق الزاوية اليمنى. لم تكن تنظر إليها بفضول. كانت تنظر إليها كمرآة. وكأنها تعرف أنني خلفها، أراقبها. رفعت حاجبها الأيمن قليلاً، ثم أدارت وجهها ببطء. لم تكن تحدّي. كانت رسالة: أنا أراك.

"سيدي." صوت ماركو كسر الصمت. كان يقف خلفي، يده اليمنى على حزامه، اليسرى تحمل جهاز لوحي. "جميع النقاط مؤمنة. الحراس في كل ممر. الكاميرات تعمل بدقة. لا إشارات لاسلكية خارجية يتم اعتراضها ضمن النطاق. القصر معزول تماماً."

أومأتُ برأسي دون أن ألتفت. "هل تم تأمين الممر المؤدي للطريق الجبلي؟"

"نعم. كمين صامت على بعد كيلومترين. أي مركبة تقترب بدون رمز التعرف سيتم إيقافها أو تدميرها."

"جيد." شربت رشفة من الإسبريسو المُرّ من الكوب المعدني على الطاولة الجانبية. السائل الساخن نزل في حلقي كسكين صغيرة، لكنه أيقظ حواسي.

"أريدك أن تبقى هنا. سجل كل حركة، كل تنهيدة، كل لمسة. إذا نظرت إلى ساعتها، أو عدّلت وضعية جلوسها، أو لمست شعرها بشكل متكرر، أريد أن أعرف التوقيت بالثانية."

ماركو لم يسأل لماذا. عرف أن كل تفصيلة في عالمي لها وزن. "مفهوم، سيدي."

عدتُ أنظر إلى الشاشة. كانت قد نهضت الآن. تحركت نحو خزانة الملابس المعدنية، فتحت الباب ببطء، وأخرجت المعطف الأبيض. لبسته بحركة سلسة، أزراره المعدنية تصدر طقطقات خفيفة في الصمت، ربطت الشعر مرة أخرى لضمان عدم تساقطه، ثم اقتربت من المغسلة الفولاذية. غسلت يديها بفرشاة قاسية، بالمطهر، بالماء البارد. جففتها بمنشفة ورقية، ارتدت القفازات الزرقاء، ثم التفتت نحو الطاولة.

سحبت القماش الأبيض ببطء.

ظهر الجسد.

رجل في منتصف الثلاثينيات. بشرة شاحبة مائلة للرمادي، عيون زجاجية مفتوحة على فراغ، شفاه زرقاء متقرحة. جرح ناري واضح في الرجل، لكنه ليس الجرح القاتل. سيعرف ذلك أي فاحص جيد. الجرح الناري كان مؤلم لكنه ليس قاتل.

الحقيقة كانت مخبأة في التفاصيل الأصغر: انتفاخ خفيف حول الأذنين، بقع داكنة تحت الأظافر، تيبس عضلي غير متجانس، ورائحة خفيفة جداً تشبه اللوز المرّ المختلط بالزنك.

أغلقتُ عينيّ للحظة.

سم سيانيد؟ لا. التأخر في التيبس يشير إلى مركب عصبي. البقع تحت الأظافر تشير إلى نقص أكسجين حاد أو تفاعل مع مادة كيميائية محددة.

العقل الجنائي فيّ كان يحلل مع كل لقطة. لكنني لم أكن طبيباً. كنتُ رجلاً يقرأ الناس. وهي كانت تقرأ الموت.

"ابدئي، دكتورة فيتالي"، همستُ للشاشة، رغم أنها لا تسمعني. "أريني ما تخفيه هذه الجثة. وأريني ما تخفينه أنتِ."

فتحت عينيّ. كانت قد أمسكت بالمشرط.

لم ترتجف يدها.

***

إيلارا

المشرحة السفلية كانت قبوًا من العصور الوسطى حوّلته الهندسة الحديثة إلى مختبر تشريح معزول. الجدران الحجرية الأصلية مغطاة بألواح من الفولاذ المقاوم للصدأ، الأرضية مائلة قليلاً نحو مصرف مركزي، والأضواء النيون موزعة بزوايا تمنع الظلال الكاذبة. لم تكن هناك نوافذ. لم يكن هناك هواء نقي. فقط طنين خافت لمروحات التهوية، وصوت تنفسي الذي كنتُ أحاول إبقاؤه منتظماً.

كانوا قد تركوني وحدي بعد إغلاق الباب الحديدي. لم أكن وحدي حقاً. الكاميرات الأربع في الزوايا كانت تراقب. الميكروفونات المدمجة في السجل تسجل كل كلمة، كل نفس، كل احتكاك معقد. وكارلو ريتشي، بدون شك، يجلس خلف شاشات المراقبة، يزن كل حركة كميزان دقيق.

لم أكن خائفة من الجثة. الجثة صديقة قديمة. لا تكذب. لا تتلاعب. لا تبتسم بخداع. الجثة تعترف بكل شيء إذا عرفتِ كيف تسألينها!

الخوف كان من الرجل الذي يجلس خلف الشاشات. من السلطة المطلقة التي يملكها. من الطريقة التي نظّر بها إليّ في شقتي: ليس كامرأة، ولا كعدوة، بل كقطعة مفقودة في أحجية يريد تجميعها بيديه العاريتين.

سحبت القماش الأبيض.

ظهر الجسد.

عرفته من الوصف الشفهي الذي سمعته من كارلو، لكن الرؤية المباشرة مختلفة دائماً. الرجل ليس ميتاً فقط. إنه *مُقتول* بطريقة تحمل بصمة واضحة لمن يعرف كيف يقرأها. الجرح الناري في الرجل؟ نظيف الحواف، لا تشظي عظمي داخلي، أُطلق قبل الوفاة.

أغلقت عينيّ للحظة، أجمّع الحواس.

الشم أولاً. رائحة المطهر قوية، لكنها لا تخفي النوتة الأساسية تحتها: لوز مرّ خفيف، ممزوج بشيء معدني كالحديد الصدئ. سيانيد البوتاسيوم؟ لا. رائحة السياند خفية لكنها حادة أكثر. هذا مختلف. أقرب إلى مركبات الفسفور العضوي، أو ربما سم عصبي اصطناعي معدل.

التيبس العضلي غير متجانس: الرقبة والكتفان متيبسان بشدة، بينما الذراعان والساقان لا تزالان مرنتين نسبياً. هذا يشير إلى أن السم لم يقتله فوراً، بل شلّ جهازه العصبي تدريجياً، ثم أوقف التنفس، ثم توقف القلب. الجرح الناري جاء لاحقاً لإخفاء التسمم.

فتحت عينيّ. أمسكت بالمشرط.

لم أرتجف. لا يمكنني الارتجاف هنا. ليس أمامه. ليس عندما أعرف أن كل رعشة ستُفسر على أنها ذنب أو خوف أو كذب.

بدأت بالشق الأول. من الترقوة إلى السرة. الجلد مقاوم، لكن الشفرة حادة. فصلت الأنسجة بحركة متواصلة، كاشفة عن الطبقة الدهنية، ثم اللفافة العضلية، ثم جدار الصدر. لم أكن أتسرع. الدقة هي لغتي الوحيدة هنا. الدقة هي درعي. إذا ارتكبت خطأً، سأخسر المصداقية. إذا خسرت المصداقية، سأخسر حياتي.

وصلت إلى القفص الصدري. استخدمت مقص العظام لقطع الأضلاع من الجهة اليسرى، ثم الأيمن، ثم الكلاليف. رفعت غطاء الصدر ببطء. الرئتان شاحبتان، منتفختان قليلاً، لا علامات احتقان حاد. القلب طبيعي الحجم، لكن الأوردة التاجية داكنة بشكل غير معتاد. فتحت التأمور، أخرجت القلب، وزنته بصرياً. طبيعي. لكنه ليس العضو الذي قُتل به.

نظرت إلى البطن. فتحت الصفاق. الأمعاء طبيعية اللون، لكن الكبد منتفخ قليلاً، والطحال شاحب. أخذت مسحة من سطح الكبد، وضعتها على شريحة زجاجية صغيرة من حقيبتي الخاصة التي سمحوا لي بإحضارها (بشرط تفتيشها مسبقاً). لم أكن أمتلك مجهرًا هنا، لكنني لم أكن بحاجة إليه لمعرفة ما أبحث عنه. التغير اللوني، القوام، الرائحة، كلها مؤشرات كافية لطبيب شرعي خبير.

ثم رأيته.

تحت الضلع الخامس الأيسر، ملتصقاً بالغشاء البريتوني، كان هناك تورم صغير جداً، بحجم حبة العدس. لم يكن ورماً. لم يكن خثرة. كان جسمًا غريبًا مغلفًا بأنسجة ليفية دقيقة. جسم زرعه شخص ما عمداً، وتركه يندمج مع الجسد بمرور الوقت.

أغلقت عينيّ.

شريحة ثانية.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق
تعليقات (5)
goodnovel comment avatar
Sandy Abdrabou
حبيتها اوي بجد كملي
goodnovel comment avatar
سماح مأمون
في انتظار باقي الفصول جميله للغايه
goodnovel comment avatar
Soly fadel
جمييييييييل
عرض جميع التعليقات

أحدث فصل

  • عهد الدم والحرير   الفصل السابع والخمسون

    الفصل السابع والخمسونحضن دافئإيلاراتراجع أخيراً بتردد واضح، لكنه لم يغادر الحمام تماماً. وقف عند الباب نصف مغلق، ظهره لي، يعطيني خصوصية نسبية. خلعتُ الرداء الحريري ببطء مؤلم، وانزلقتُ في الماء الدافئ. الدفء غمرني فوراً، يرخي العضلات المتيبسة، يذيب بعض الجليد في روحي المتعبة. أغمضتُ عينيّ، وتركتُ الرائحة الهادئة تأخذني بعيداً لدقائق.بعد دقائق قليلة، سمعتُ خطواته تقترب بهدوء. فتحتُ عينيّ، فرأيته يجلس على حافة الحوض مباشرة، يمسك إسفنجة ناعمة مبللة. "سأغسل شعركِ... لا تجهدي نفسكِ.""ابتعد عني..." همستُ، لكن صوتي خرج ضعيفاً.لكنه لم يستمع. غمر الإسفنجة في الماء، وبدأ يمررها بلطف شديد على كتفيّ العاريين، حركات بطيئة دائرية، حذرة كأنه يخشى أن يحطمني بأي لمسة. لم تكن لمسته شهوانية هذه المرة، بل حنونة عميقة، مليئة بالندم والخوف من الفقدان.أصابعه القوية دلكت رقبتي بلطف، تنزع التوتر المتراكم لأسابيع، ثم انتقلت إلى شعري، يغسله ببطء، يدلك فروة رأسي بأطراف أصابعه بطريقة تجعلني أرتجف. كان قريباً جداً، أنفاسه الدافئة تلامس بشرتي المبللة، صدره يرتفع وينخفض ببطء.ارتجفتُ، جزء مني يريد أن يذوب في

  • عهد الدم والحرير   الفصل السادس والخمسون

    الفصل السادس والخمسونظلال الانهيارإيلاراالظلام كان كثيفاً، ثقيلاً، يضغط على صدري كأن يداً حديدية تحاول خنق ما تبقى من حياتي. سمعت أصواتاً مشوشة تتردد في أذنيّ كصدى بعيد، ثم شعرت بأصابع باردة تمسك معصمي. حاولتُ فتح عينيّ، لكن الجفون كانت ثقيلة كالرصاص.جسدي يئن من الألم الخفيف الذي ينتشر في كل مفصل، معدتي فارغة تماماً كأنها حفرة سوداء، والدوار يدور في رأسي كعاصفة لا تهدأ.كيف وصلتُ إلى هذا الحال؟ كنتُ أعاقب نفسي بصمت منذ أسابيع، أرفض الطعام يوماً بعد يوم، أترك الجوع يأكل مني حتى أصبحتُ ظلاً شاحباً من الفتاة التي كنتُها. الآن، أنا ملقاة هنا، على حافة الانهيار، في قصر هذا الرجل الذي يحبّني بطريقة تدمّرني."نبضها ضعيف جداً... ضغط الدم منخفض... تحتاج تدخلاً فورياً." كان الصوت مألوفاً، يحمل نبرة مهنية هادئة. رفعتُ جفوني بصعوبة بالغة، والضوء الخافت في الغرفة أذى عينيّ المحتقنتين.كان الطبيب أليساندرو يقف بجانب السرير، معطفه الأبيض النظيف يلمع تحت ضوء المصباح العتيق. عرفته فوراً. كيف لا أعرفه؟ عملنا معاً لأشهر طويلة في برج الطبي، في الجناح السري الذي يعالج إصابات "رجال المهام" كما يسميهم

  • عهد الدم والحرير   الفصل الخامس والخمسون

    الفصل الخامس والخمسونحدود مكسورةكارلوخرجتُ من اجتماع القادة وقلبي يغلي كبركان على وشك الانفجار. كلمات إيلارا كانت لا تزال تدوي في أذنيّ مثل صدى رصاصة قريبة: "أشعر أنني فريسة ضعيفة في وسط وحوش جائعة..." كيف سمحتُ لهذا يحدث تحت سقف قصري؟ أنا كارلو، الرجل الذي يحكم الظلال والدم والموت، فشلتُ فشلاً ذريعاً في حماية الفتاة الوحيدة التي تضيء عالمي المظلم الذي لا يرحم.مشيتُ في الممر الطويل بين الجدران الحجرية المزخرفة بزخارف قديمة، خطواتي ثقيلة تكاد تثقب السجادة الفارسية الفاخرة التي كانت تُغطي الأرضية. ماركو يتبعني صامتاً كالظل، يعرف تماماً متى يبقي فمه مغلقاً ولا يتدخل. توقفتُ أمام باب غرفتها. أشرت له برأسي لينتظرني، يدي ارتجفت للحظة واحدة قبل أن أمسك المقبض البارد. لم أطرق. هذا قصري، وهي... هي جزء من روحي، حتى لو كانت تكرهني الآن وتراني عدوها الأول.دخلتُ بهدوء. الغرفة كانت مضاءة بضوء خافت من مصباح واحد على المنضدة الخشبية العتيقة، يلقي ظلالاً طويلة مرعبة على الجدران.إيلارا كانت جالسة على حافة السرير الكبير، ظهرها لي، شعرها الطويل الداكن منسدلاً على كتفيها كشلال من الحرير المتعب الذي

  • عهد الدم والحرير   الفصل الرابع والخمسون

    الفصل الرابع والخمسونحدوديكارلووقفتُ أمامها في مكتبي الخاص، وجسدها قريب مني إلى درجة أنني أستطيع أن أشم رائحة شعرها المرهق الذي يحمل أثر يوم طويل من العمل الشاق في البرج الطبي.رائحة الصابون الطبي النقي المختلطة بعطرها الخفيف الذي طالما أسكر حواسي وأذاب صلابتي الداخلية. حاولتُ بكل ما أوتيت من قوة أن أجعل الجو بيننا لطيفاً هادئاً، أن أمحو هذا الفتور القارس الذي يلف علاقتنا كالضباب الكثيف الذي يخنق الروح. ابتسمتُ ابتسامة هادئة نادرة، ابتسامة لا أظهرها إلا لها وحدها، ولطفتُ صوتي قدر الإمكان، ومسحتُ بإبهامي على ظهر يدها بلطف شديد، كأنني أخشى أن تتحطم إن ضغطتُ أكثر من ذلك.لكن إيلارا حاولت أن تبتعد، سحبت نفسها بلطف لكن بحزم واضح، محاولة الانسحاب من بين يديَّ خطوة صغيرة إلى الخلف. شعرتُ بقلبي ينقبض ألماً حاداً. هذا الابتعاد البسيط كان أقسى من أي طعنة. أنا الذي اعتدتُ على السيطرة التامة، أصبحتُ أرى في عينيها تردداً ومقاومة تجعلني أشعر بالعجز لأول مرة في حياتي.لا أستطيع تحمل فكرة أنها بعيدة عني بهذا الشكل المؤلم. الفتور الذي يسود بيننا يقتلني ببطء أشد وأقسى من أي رصاصة اخترقت جسدي في المع

  • عهد الدم والحرير   الفصل الثالث والخمسون

    الفصل الثالث والخمسونالغيرة المشلولةكارلوالأيام الماضية مرت عليّ كالجحيم الحقيقي، جحيم لا ينطفئ، يحرق الروح قبل الجسد. لم أنم ليالٍ كاملة منذ ذلك الشجار اللعين.كلما أغمضت عينيّ، عاد المشهد يلعقني كالنار: إيلارا تنهار على السرير كأن جسدها فقد كل قوة، دموعها الحارة تحرق خديها، وصوتها المكسور يتردد في أذنيّ وهي تهمس "كيف خالفتَ الوعد؟" ثم يأتي الدفتر الجلدي الأسود بين يديّ، كلماتها بخط يدها الجميل عن إنزو، عن هدوئه، عن حنانه الذي لا يحمل تملكاً وحشياً، عن رغبتها في الهروب مني، عن أنني أخيف روحها وأملأ جسدها فقط. كيف خلقتُ هذه المشكلة الكبيرة بيننا؟ أنا الذي كنت أحميها بكل ما أملك، أملكها، أجعلها ملكتي في عالمي المظلم المليء بالدم والخيانة. كنت أرى فيها النور الوحيد، المستقبل الذي يستحق أن أقاتل من أجله، وفجأة أصبح كل شيء رماداً بارداً. الفتور الذي يلفنا الآن يقتلني ببطء. أتذكر ليالينا معاً، جسدها يرتجف تحتي، عيناها مغمضتان بشوق، همسها "كارلو" وهي تتمسك بي كأنني حبل النجاة الوحيدة. الآن، كل ذلك تحول إلى ذكريات مؤلمة تطعنني في كل لحظة.أنا زعيم مافيا. من المفترض ألا أثق بأحد ثقة عمي

  • عهد الدم والحرير   الفصل الثاني والخمسون

    الفصل الثاني والخمسونمجرد نزوةإيلاراالأيام السابقة لم تكن مجرد أيام عادية، بل كانت كالأثقال الثقيلة التي تُلقى على صدري واحدة تلو الأخرى، تسحق ما تبقى من قوتي.كنتُ مشغولة طوال الوقت، أغرق نفسي في العمل داخل البرج الطبي كأن العمل هو الملاذ الوحيد الذي يبقيني على قيد الحياة.أستيقظ قبل الفجر، أرتدي ردائي الطبي بيدين مرتجفتين قليلاً، وأتوجه إلى هناك وكأنني أهرب من نفسي. الجولات الصباحية على المرضى، فحص الجرحى الذين عادوا من مهمات دموية، تعديل الجرعات، مراقبة العلامات الحيوية، كتابة تقارير مفصلة لا تنتهي.أجري عمليات طارئة، أنظف الجروح، أطمئن على المصابين، وأستمع إلى شكاواهم بتركيز مصطنع. الممرضات ينظرن إليّ أحياناً بفضول أو قلق، لكنني أتجاهل النظر ات وأغوص أكثر في الروتين.لكن حتى في أشد لحظات الإرهاق، كان الفتور بيني وبين كارلو يلاحقني كظل أسود. لم يعد هناك ذلك الحضن الدافئ الذي يلفني بعد يوم طويل، لم تعد كلماته "أنتِ لي" تُطفئ الظلام الذي يعيش داخلي.كل شيء أصبح بارداً، سطحياً، رسمياً كأننا نتبادل كلمات قليلة ضرورية فقط. أشعر أنني مجرد نزوة عابرة له، جسد يلجأ إليه في لحظات الرغبة ث

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status