공유

part 9

last update 게시일: 2026-07-05 23:27:53

مرت سنتان كاملتان كأنهما دهر سرمدي من الصمت المطبق، والانعزال الاختياري، والعمل المتواصل الذي لا يرحم. سنتان قضيتُهما متنقلاً بين مرسمي البارد في نيويورك وبين شوارع الإسكندرية التي لم تعد تشبه شوارع طفولتنا، ألتهم الألوان الزيتية بعينين مجهدتين وأفرغ على قماش اللوحات الأبيض كل ذلك المخزون الباقي في أعماق روحي من الحزن المصفى والكسرة المفاجئة.

لم يكن ذلك الحساب الإلكتروني الشخصي الذي أخذتُه منها ب يد مرتعشة في ذلك الكافيه المظلم سوى نافذة زجاجية باردة ومغلقة، أطل منها على فترات متباعدة ولحظات يأس شديد لأرى حياتها المستقرة الجديدة وهي تمضي بسلام وأمان بعيداً عني؛

رأيتُ صور عيادتها البيطرية وهي تتسع وتزدهر، ورأيتُ لقطات خاطفة لنجاحاتها الهادئة في الندوات، ولم أجرؤ طوال هذين العامين على إرسال رسالة واحدة أو حتى الضغط على زر التفاعل.

كنتُ أحترم بمرارة شديدة ذلك الجدار المنيع والشرعي الذي بنته الأيام والظروف بيننا، وأكتفي في خفائي بأن أكون مجرد طيف باهت من الماضي البعيد يراقب في صمت خجول ويدعو لها بالخير

حتى جاء ذلك المساء الشتوي البارد من عام 2026، حيث كان معرضي الخاص الأكبر والمنتظر يُقام في واحدة من أفخم قاعات العرض الفنية بوسط مدينة الإسكندرية،

وهي قاعة ذات جدران بيضاء شاهقة الارتفاع وإضاءة سينمائية مدروسة بدقة متناهية لتسليط الضوء على مجموعة لوحاتي الجديدة التي أسميتُها بكبرياء مجروح "أثر الغياب".

كانت القاعة الفسيحة تضج بالنخبة من رجال المجتمع، وعشاق الفن التشكيلي، والنقاد الكبار الذين يتحدثون بأصوات خافتة ووقورة وهم يرتشفون القهوة الساخنة ويحللون الخطوط والظلال بنظرات فاحصة.

كنتُ أقف هناك ببدلتي الرسمية الداكنة المتقنة، مجبراً بحكم الشهرة على توزيع الابتسامات المهذبة ذات اليمين وذات الشمال، وتلقي كلمات المديح والتهنئة الطنانة من أشخاص لا يعرفون شيئاً عن الوجع الكامن خلف الألوان، بينما كان عقلي وقلبي معلقين في زاوية أخرى تماماً من زوايا القاعة المزدحمة.

وفي منتصف القاعة تماماً،

وعلى الجدار الرئيسي الأكبر والأكثر تميزاً، كانت تقف اللوحة المحورية والأساسية في المعرض كله، وهي اللوحة التي تجمهر حولها معظم الحاضرين منذ بداية المساء وأثارت فضول النقاد بشكل واسع. كانت تلك اللوحة تجسد مشهداً سكندرياً خالصاً في ليلة شتوية ممطرة ومظلمة؛

في مقدمة اللوحة وعلى الجانب الأيمن، تقف فتاة ناضجة بملامح وقورة وجميلة، مرتدية معطفاً شتوياً دافئاً، وتقف بجوار رجل طويل القامة وواثق، لا تظهر ملامح وجهه بوضوح كأنه طيف،

لكن لغة جسده وطريقة وقوفه تعبران تماماً عن الاحتواء والامتلاك وحق الرعاية، يقفان معاً متلاحمين تحت مظلة سوداء واحدة ويتطلعان نحو أفق البحر الهائج.

وفي الزاوية الخلفية البعيدة والمنعزلة من اللوحة، وسط الضباب الكثيف ونور عمود إنارة خافت ووحيد، يقف صبي أو رجل وحيد تماماً، يجر وراءه ظلاً طويلاً مكسوراً على الرصيف المبتل، وينظر إليهما من الخلف،

نظرة طويلة وصامتة تلخص كل معاني الترك، والمسافة الشاسعة، والاشتياق الحارق الذي لا يملك صاحبه أي حق في الاقتراب أو الاعتراض. كانت تلك اللوحة تحديداً هي ترجمتي البصرية الحرفية والوحيدة لتلك الليلة القاسية التي تركتني فيها مريم في كافيه البحر وذهبت مع سليم.

بينما كنتُ أقف مستمعاً لأحد الصحفيين الكبار وهو يسألني بشغف عن تقنية دمج الألوان الباردة والدافئة في تلك اللوحة الرئيسية وكيف استوحيتُ هذا الشجن، شعرتُ فجأة بنفضة مباغتة وعنيفة سرت في عمودي الفقري وهزت كياني بالكامل

وهي نفضة مألوفة جداً لقلبي، نفضة الارتياح العارم والخوف المشترك التي لا تحدث لي أبداً إلا في حالة واحدة وفي وجود شخص واحد محدد في هذا العالم. انقطع حبل أفكاري فوراً وتوقفت الكلمات في حلقي وجفت حنجرتي رغماً عني. التفتُّ ببطء شديد وبحذر شديد مدفوع بالخجل والارتباك النفسي، ونقلتُ بصري بتوتر بين وجوه الحاضرين المتجمعين في حلقات حول اللوحة الكبيرة المعلقة.

وهناك، عند الطرف الأقصى والأبعد للحشد المتجمهر، كانت تقف بكامل هيئتها.

انقبض قلبي بقوة هائلة حتى شعرت بألم مادي حقيقي في صدري وكأن الهواء قد شح في المكان.

كانت مريم واقفة هناك، بكامل وقارها ونضجها الساحر الذي زادته السنتان الماضيتان وسامة وعمقاً واتزاناً. كانت ترتدي معطفاً طويلاً وفخماً من الصوف الأسود يغطي قوامها برقة، وشعرها الأسود الداكن منسدلاً بهدوء ونعومة على كتفيها، وهي ذات التفاصيل المألوفة والحبيبة التي حفظتُ رسمها بدقة في دفتر طائرتي القديم. لم تكن بمفردها بالطبع

كان يقف بجوارها مباشرة رجل منمق الهندام وواثق الخطوة، يتحدث معها بين الحين والآخر بصوت خافت ويشير بيده نحو تفاصيل الظلال في لوحتي المحورية. عرفتُه فوراً في ثانية واحدة دون أن أرى وجهه بالكامل؛ إنه سليم، الرجل الذي أخذ مكاني القديم وأصبح يملك الحاضر والمستقبل.

في تلك اللحظة بالذات، ورغم بعد المسافة الكبيرة التي تفصل بين جسدينا وسط القاعة المزدحمة بالناس والتي كانت تبلغ أمتاراً عديدة من الوجوه والحواجز البشرية

التفتت مريم برأسها فجأة نحو الاتجاه الذي أقف فيه، وكأنها هي الأخرى شعرت بطريقة ما بنظراتي المعلقة بها وبنبضات قلبي التي تكاد تُسمع. ولأول مرة منذ سنتين كاملتين من الغياب والانقطاع، تلاقت أعيننا مباشرة دون وسيط ودون شاشات باردة.

توقف ضجيج القاعة تماماً في مسامعي وتحول كل شيء إلى صمت مطلق. تلاشت أصوات الملاعق الصغيرة وهي ترتطم بفناجين القهوة، واختفت همسات النقاد وحركات الحشود والصحفيين من حولي، وتحول المعرض الفخم بجدرانه الشاهقة إلى مساحة فارغة، بيضاء

وصامتة لا تضم في هذا الكون الواسع سوى عينين سوداوين واسعتين وعينيّ اللتين أضناهما السهر، والشوق، والغربة الطويلة. كان لقاءً خالصاً من بعيد، لقاءً معلقاً بالكامل على خيوط النظرات الصامتة والمشبعة بكل ما عجزنا عن نطقه وشرحه في رحلة الطائرة وفي ذلك الكافيه المظلم.

نظرتُ إليها من موقعي، وكنتُ أقرأ في عينيها الواسعتين في تلك اللحظة مزيجاً مذهلاً ومعقداً من المفاجأة، والشجن الدافئ، والاعتراف المكتوم بالماضي. لم تبتسم مريم

ولم تحرك يداً للسلام، ولم تخطُ خطوة واحدة نحوي لتجاوز الحشود؛ بل ظلت واثقة وثابتة في مكانها بجوار رجلها، تفرض احتراماً كبيراً ومسافة واضحة تليق بامرأة مرتبطة رسمياً ومستقرة في حياة جديدة لا مكان لي فيها.

كانت نظرتها الخجولة والمرتبكة التي أرسلتها إليّ عبر القاعة تحمل في طياتها مواساة باردة ونهائية لقلبي المكسور، وكأنها تقول لي في هذا الصمت

المهيب " أنها هنا، ومازالت علي الاقل تتذكرني"

أما أنا، فقد وقفتُ مكاني كتمثال من الرخام القديم، عاجزاً تماماً عن التحرك أو التلويح أو إتيان أي حركة قد تسبب لها الحرج، محاصراً بغيرتي القديمة الذكرى التي لم تمت أبداً في صدري،

ولكنها تروت بماء العجز والنضج المفروض. كانت غيرتي هذه المرة مختلفة تماماً عن غيرة المراهقة؛ لم تكن غيرة الصبي الحاد الذي يملك الحق والشرعية في الصراخ وإجبارها على تغطية شعرها في ممر المدرسة لحمايتها من عيون الغرباء، بل كانت غيرة الرجل المغترب المهزوم الذي يرى حبيبته وطفلته

القديمة تشارك رجلاً آخر تفاصيل حياتها اليومية،

وتقف معه في الأماكن العامة بكامل رضاها وفخرها، وتأتي معه بكامل أناقتها لتشاهد قصة انكسار حبيبها الأول المعلقة داخل إطار خشبي على الجدران البيضاء.

استجمعتُ كل قواي المنهكة ورسمتُ على وجهي تلك الابتسامة المزيفة ذاتها، الابتسامة الهادئة، الوقورة، والباردة التي تعلمتُ إتقانها وصنعها في معارض نيويورك الكبيرة لأخفي خلفها انهياري، ابتسامة أقول لها من خلالها من بعيد لبعيد: "أنا بخير، وممتن وفخور لأنكِ جئتِ ورأيتِ ما أصبحتُ عليه".

طالت النظرة المستمرة بيننا لثوانٍ معدودة بدت لي كأنها سنوات طويلة من العمر تمر في شريط سريع، كانت العيون في هذا اللقاء البعيد تتحدث في خفاء صامت، تعيد ترتيب ذكريات الشرفة القديمة، وصوت الشيش وهو يخبط الصبح في الجدار، ودموع ناصية الشارع الخريفي، وجلسة الطائرة المرتبكة وسط الغيوم. كنا نتبادل السرد كاملاً وتفاصيل الشوق دون أن تنطق شفاهنا بحرف واحد أو نتبادل كلمة تحية.

تحرك سليم فجأة بجانبها، ووضع كفه برفق واحترام خلف ظهرها ليوجهها نحو الجناح الآخر من المعرض لمشاهدة بقية الأعمال. استجابت مريم لحركته بمرونة وهدوء وثقة، وقبل أن تستدير بكامل جسدها وتختفي خلف الحشد، نقلت نظرتها الأخيرة السريعة إليّ، نظرة وداع خاطفة، خجولة، وتحمل مسحة أخيرة من الحنين الذي رفض الوقت والزمن إخماده بالكامل، ثم التفتت ومشيت معه بخطى ثابتة هادئة.

أمسكتُ بحافة الطاولة الخشبية المجاورة لي بقوة وضغطت بأصابعي لأثبت جسدي الذي كاد أن يخونه التوازن تحت تأثير هذا الفقد المتكرر والمتجدد. بقيتُ أراقب ظهرها

وهو يبتعد ويندمج وسط حشود الغرباء، تماماً كما حدث تحت مطر الكافيه قبل سنتين،

وشعرت لوهله في تلك اللحظة الحاسمة أن دوري في حياة مريم قد كُتب وانتهى بشكل رسمي وقاطع؛

سأظل دائمًا وأبداً ذلك الرجل الذي يقف في الخلف، في زاوية اللوحة المظلمة والبعيدة، ينظر إليهما من بعيد، يقتات في خفائه على الحنين لزمن ولّى، ويرسم غيابهما في لوحات مشهورة يصفق لها الغرباء في معارض العالم

، بينما يظل هو وحيداً وبارداً في مرسمه، يحمل في صدره قلباً مخلصاً رفض تماماً أن يشفى من حب فتاة الشرفة القديمة، متقبلاً قدره بأن يكون شاهداً على سعادتها من وراء إطار زجاجي بارد.

이 작품을 무료로 읽으실 수 있습니다
QR 코드를 스캔하여 앱을 다운로드하세요

최신 챕터

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 12

    صعدنا معاً إلى شرفة الشقة الفسيحة في حي جليم بعد أن مالت الشمس نحو الغروب تماماً، تاركة خلفها شريطاً ساحراً ينبض بالألوان الأرجوانية والذهبية الداكنة التي امتدت لتصبغ صفحة البحر السكندري الثائر. كان الهواء الشتوي الرطب يلفح وجوهنا بنكهة اليود المألوفة، ممتزجاً ببرودة واضحة تجبر الأجساد على التقارب تلقائياً بحثاً عن أي نسمة دفء. وقفت مريم مستندة بكفيها الرقيقتين على سور الشرفة الحديدي، مرتدية سترة صوفية بيضاء واسعة تزيد ملامحها نضجاً ووقاراً، بينما كنتُ أقف بجوارها مباشرة، أحمل في يدي فنجانين من الشاي الساخن الذي تصاعد بخاره بكثافة ليتلاشى في جو الشرفة البارد ويصنع ضباباً خفيفاً بين وجهينا.وضعتُ فنجان الشاي الدافئ أمامها على السور، فالتفتت إليّ وعيناها السوداوان الواسعتين تعكسان بقايا ضوء الغروب النحاسي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، مشوبة بذلك التحفظ الهادئ والارتباك النفسي اللطيف الذي لم يغادرنا تماماً منذ التقينا فوق السحاب في تلك الطائرة العابرة. أخذت نفسًا عميقاً من هواء البحر، ونظرت إلى السائل الداكن في الفنجان، ثم التفتت نحوي وسألتني بالعامية بنبرة حانية، يشوبها بعض الفضو

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 11

    في الصباح التالي، كان طقس الإسكندرية قد استقر على برودة دافئة ومشمسة، بعد ليلة طويلة غسلت فيها الأمطار أرصفة المدينة العتيقة ونفضت عن قلوبنا غبار خمسة عشر عاماً من الفراق الإداري. وجدتُ نفسي، وبخطى يملؤها مزيج غريب من التردد والاشتياق الحارق، أقف أمام باب شقة عائلة مريم الجديدة في حي جليم. كانت العمارة تطل مباشرة على البحر، والهواء المحمل باليود يلفح وجهي وأنا أتحسس باقة الورود البيضاء التي اشتريتُها بعناية. طرقتُ الباب بنبضات قلب متسارعة، وما هي إلا ثوانٍ حتى فُتح الباب لتظهر من ورائه والدة مريم؛ "طنط سعاد".لم تكن السنون قد غيرت من ملامحها الحنونة الكثير، سوى بعض خطوط الوقار التي كللت جبينها، وخصلات بيضاء قليلة نسجها الزمن وسط شعرها. نظرتْ إليّ لثوانٍ بذهول غير مصدق، واتسعت عيناها الطيِّبتان، وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، قالت بالعامية بنبرة تخنقها دموع المفاجأة:— "أحمد؟! يا حبيبي يا أحمد.. مش معقول! أنت رجعت يا ابني؟"ولم تنتظر إجابتي؛ بل فتحت ذراعيها لتدثرني بحضن دافئ، حضن سكندري خالص أعاد إليّ في ثانية واحدة رائحة أمي الراحلة، وأعاد إليّ دفا البيوت القديمة التي حُرمتُ منها في غربت

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 10

    تفرق الحشد ببطء شديد مع اقتراب الساعة من منتصف الليل، وبدأت أنوار القاعة الشاهقة تنطفئ واحداً تلو الآخر، لتخيم عتمة دافئة على اللوحات المعلقة. كنتُ أقف في زاوية المرسم الفسيح، أساعد العمال في جمع بعض الكتيبات الفنية، وجسدي ينوء تحت ثقل إرهاق نفسي وعاطفي لم أختبره منذ سنوات. ظننتُ أن الليلة انطوت، وأن مريم غادرت مع سليم إلى حياتها البعيدة، تاركة خلفها طيفها يحرس لوحتي المحورية.لكن، ومثلما تفعل الصدف السكندرية دائماً، التفتُّ نحو الباب الزجاجي الرئيسي للمعرض، فوجدتها واقفة هناك بمفردها. كان معطفها الصوفي الأسود مبللاً بقطرات المطر الخفيفة، ويداها مدسوستان في جيوبها، وعيناها السوداوان ترقبانني بثبات هادئ وخجول، خالٍ من زحام الناس ومن وجود سليم. تحركت خطاي نحوها تلقائياً، مدفوعة بذهول مباغت وأمل طفلي استيقظ في صدري فجأة. اقتربتُ منها، وتوقفتُ على مسافة تفصل بيننا احتراماً لوقارها، وسألتها بالعامية بصوت خافت يملؤه التردد:— "مريم؟ أنتي لسه هنا؟ أنا افتكرتك مشيتي من بدري مع.. مع سليم."أنزلت مريم رأسها قليلاً، وظهرت على وجهها ذات الابتسامة الخجولة المرتبكة التي حفظتها في الطائرة، ثم رفع

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 9

    مرت سنتان كاملتان كأنهما دهر سرمدي من الصمت المطبق، والانعزال الاختياري، والعمل المتواصل الذي لا يرحم. سنتان قضيتُهما متنقلاً بين مرسمي البارد في نيويورك وبين شوارع الإسكندرية التي لم تعد تشبه شوارع طفولتنا، ألتهم الألوان الزيتية بعينين مجهدتين وأفرغ على قماش اللوحات الأبيض كل ذلك المخزون الباقي في أعماق روحي من الحزن المصفى والكسرة المفاجئة. لم يكن ذلك الحساب الإلكتروني الشخصي الذي أخذتُه منها ب يد مرتعشة في ذلك الكافيه المظلم سوى نافذة زجاجية باردة ومغلقة، أطل منها على فترات متباعدة ولحظات يأس شديد لأرى حياتها المستقرة الجديدة وهي تمضي بسلام وأمان بعيداً عني؛ رأيتُ صور عيادتها البيطرية وهي تتسع وتزدهر، ورأيتُ لقطات خاطفة لنجاحاتها الهادئة في الندوات، ولم أجرؤ طوال هذين العامين على إرسال رسالة واحدة أو حتى الضغط على زر التفاعل. كنتُ أحترم بمرارة شديدة ذلك الجدار المنيع والشرعي الذي بنته الأيام والظروف بيننا، وأكتفي في خفائي بأن أكون مجرد طيف باهت من الماضي البعيد يراقب في صمت خجول ويدعو لها بالخيرحتى جاء ذلك المساء الشتوي البارد من عام 2026، حيث كان معرضي الخاص الأكبر والمنتظر يُ

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 8

    بقيتُ في مكاني، متسمراً فوق ذلك المقعد الخشبي البارد، وعيناي معلقتان بالزجاج المغيم الذي تلاشت خلفه مريم منذ دقائق. كانت الطاولة أمامي تبدو كساحة معركة خاسرة؛ فنجان قهوتها الذي لم يبرد تماماً بعد والمقعد الشاغر الذي ما زال يحتفظ بشيء من أثرها، وكراسة رسمي الملقاة في زاوية الطاولة كجثة هامدة. مرارة الانكسار الحالي فتحت في عقلي مسام الذاكرة على مصراعيها، ولم أجد مفراً من هذا الألم سوى أن أهرب مجدداً إلى أزقة الماضي، إلى ذلك الزمن البعيد الذي كنتُ أملك فيه مريم بالكامل، وكان لي الحق في أن أحبها، وأن أحزن منها، وأن أغير عليها بغطرسة صبيانية لم أكن أدرك قيمتها الثمينة وقتهاانعقدت الغيوم في رأسي لتعيدني إلى الوراء خمسة عشر عاماً، تحديداً في شتاء سنتنا الأخيرة معاً في الإسكندرية. أتذكر ذلك الصباح الكانوني بوضوح شديد؛ كان الضباب يلف شوارع الحي، ونسمات الهواء الباردة تجبر الجميع على دثر أنفسهم بالمعاطف الصوفية الثقيلة. كنا نتمشى كعادتنا في ممرات المدرسة الثانوية المشتركة خلال فترة الاستراحة، وكانت مريم تسير بجانبي بمريولها الكحلي الواسع، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها بطريقة خطفت أنظار ال

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 7

    كانت مريم تسترسل في حديثها العذب عن باريس، وعن قاعات الندوات والمحاضرات الدولية التي ألقت فيها كلماتها بثقة أذهلت الأطباء هناك. كنتُ غارقاً في تفاصيل ملامحها الناضجة، أستمع إلى نبرة صوتها التي أصبحت مزيجاً ساحراً من الوقار والرقة، وكان صدى أمواج البحر السكندري في الخارج يرتطم بالصخور بإيقاع منتظم ودافئ، يمتزج برائحة القهوة ونقر قطرات المطر الخفيفة التي بدأت تتساقط ببطء على زجاج الكافيه. في تلك اللحظات الثمينة، شعرتُ بارتياح عارم وعميق اجتاح كل زوايا روحي المغتربةوكأنني أستعيد حصتي المسروقة من الحياة والزمن. تمنيتُ في سري لو يتوقف بندول الساعة عند هذه الطاولة الخشبية الصغيرة، وألا تنتهي هذه الليلة أبداً، كأنني صبي صغير يحاول الاحتفاظ بأجمل أمنياته قبل أن يسرقها ضوء النهار العاقل.وفجأة، وبلا أي مقدمات، اهتز هاتفها المحمول الموضوع على الطاولة الخشبية بيننا. أضاءت الشاشة البيضاء في عتمة الركن المعزول معلنة عن اتصال لم أتبين اسمه في البداية، لكنني رأيتُ ملامح مريم تتغير في جزء من الثانية؛ تلاشت مسحة الشجن الدافئ والحديث المسترسل عن الماضي والطفولة، وحل محلها ارتباك سريع ومشوب بجدية طار

더보기
좋은 소설을 무료로 찾아 읽어보세요
GoodNovel 앱에서 수많은 인기 소설을 무료로 즐기세요! 마음에 드는 작품을 다운로드하고, 언제 어디서나 편하게 읽을 수 있습니다
앱에서 작품을 무료로 읽어보세요
앱에서 읽으려면 QR 코드를 스캔하세요.
DMCA.com Protection Status