Se connecterمرّت أكثر من ساعة منذ عودتهما إلى المنزل، وكانت هانا قد استعادت هدوءها تدريجيًا بعد الحادثة التي تعرّضت لها في مدينة الملاهي.
ولأنها لم ترغب في التفكير فيما حدث، اقترحت مشاهدة فيلم في غرفة الجلوس. - ما رأيك بفيلم كوميدي؟ أشعر أنني بحاجة للضحك اليوم. أومأ ريو برأسه وجلس على الأريكة المقابلة لها، بينما كانت هي تضم الدبدوب الأبيض الذي ربحه لها بين ذراعيها. خلال الفيلم، لم تتوقف عن التعليق على الأحداث المضحكة، أما هو فكان يقضي معظم وقته ينظر إليها أكثر من مشاهدته للفيلم نفسه. - ريو! هل شاهدت ذلك المشهد؟ - نعم. - أنت تكذب، لقد كنت تنظر إلى النافذة منذ خمس دقائق! لم يستطع منع نفسه من الابتسام بخفة هذه المرة. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يظهر على وجهها. فقد كان يومًا طويلًا بالنسبة لها. - أعتقد أنني سأغفو قليلًا. قالتها وهي تتمدد فوق الأريكة دون أن تنتبه لذلك. وبعد دقائق معدودة، غرقت في نوم عميق بينما كانت أصوات الفيلم لا تزال تُسمع بهدوء داخل الغرفة. أما ريو، فبقي جالسًا في مكانه ينظر إليها بصمت. كانت ملامحها الهادئة أثناء النوم تجعلها تبدو أصغر من عمرها بكثير. خصلات شعرها كانت متناثرة قليلًا فوق الوسادة، بينما كانت تعانق الدبدوب الأبيض كما لو أنه كنز ثمين. دون أن يشعر، وجد نفسه يقترب منها قليلًا. تأمل وجهها للحظات طويلة، ثم هبطت عيناه نحو شفتيها الورديتين الصغيرتين التي جعلته تفكره بحبات الكرز الناضجة. ولأول مرة في حياته، وجد نفسه يقترب منها دون أن يدرك ما يفعله. اقترب وجهه منها ببطء شديد، حتى أصبح على بعد سنتيمترات قليلة فقط. لكن فجأة... اتسعت عيناه وكأنه استيقظ من أفكاره دفعة واحدة. ابتعد بسرعة وهو يمرر يده بين خصلات شعره ويزفر بضيق. - ما الذي كنت سأفعله بحق الجحيم؟ لم يستطع تصديق أنه كاد يفعل شيئًا كهذا. تنهد طويلًا قبل أن ينحني ويحملها بين ذراعيه بحذر شديد حتى لا تستيقظ. كانت خفيفة للغاية لدرجة أنه شعر وكأنه يحمل غيمة صغيرة بين يديه. صعد بها إلى غرفتها ووضعها فوق سريرها برفق، ثم سحب الغطاء ليغطيها جيدًا. لكن بدلًا من أن يغادر مباشرة، بقي واقفًا للحظات يتأمل ملامحها النائمة. مد يده وأبعد خصلة شعر سقطت فوق وجنتها برفق شديد قبل أن يهمس بصوت خافت لم يكن ليسمعه أحد سواها لو كانت مستيقظة: - ماذا تفعلين بي يا هانا؟ لقد كان قاتلًا مأجورًا لم يتردد يومًا في تنفيذ أي مهمة أُوكلت إليه، لكن هذه الفتاة جعلته يعيد التفكير في حياته كلها خلال بضعة أسابيع فقط. ابتسم ابتسامة صغيرة وهو ينظر إليها للمرة الأخيرة قبل أن يغادر غرفتها بهدوء. وبينما كان يستعد للخروج من المنزل، فُتح الباب الرئيسي فجأة. - ريو؟ رفع رأسه ليجد جون يقف عند المدخل وقد بدا عليه الاستغراب. - ما زلت هنا في هذا الوقت؟ أجاب ريو بهدوء: - طلبت مني لانسة هانا أن أبقى معها لبعض الوقت. ابتسم جون بخفة وهو يخلع سترته. - يبدو أن ابنتي أصبحت تعتمد عليك كثيرًا هذه الأيام. - ربما. - هل هي بخير الآن؟ - نعم، نامت قبل قليل. تنهد جون براحة واضحة ثم أومأ برأسه. - هذا جيد. كنت قلقًا عليها قليلًا لأنني اضطررت إلى البقاء في العمل حتى هذا الوقت. ثم ابتسم له بحنان الأب المعتاد وقال: - شكرًا لك يا ريو، أعتقد أنني لم أعد أعرف كيف كنت سأطمئن عليها لولا وجودك. أما ريو، فقد شعر بوخزة مؤلمة داخل قلبه عند سماع تلك الكلمات. لو علم جون بالحقيقة... هل كان سيشكره بهذه الطريقة؟ انحنى له باحترام قبل أن يقول: - تصبح على خير. - وأنت أيضًا. خرج أخيرًا من المنزل وهو ينظر إلى السماء المظلمة فوقه. وفي تلك الليلة، أدرك حقيقة لم يعد يستطيع إنكارها. لقد وقع في حب الفتاة التي أُرسل لقتلها.بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...
بقيت هانا صامتة لعدة لحظات بعد أن انتهى ريو من الحديث. كانت تنظر إليه وعيناها ترتجفان قليلًا، فقد كانت كل كلمة قالها تصل إلى قلبها دون استئذان. هي تعلم جيدًا أنه أحبها، وتعلم أيضًا أنه خاطر بحياته من أجلها أكثر من مرة، لكن المشكلة لم تكن في حبه لها، بل في الكذب الذي بُنيت عليه علاقتهما منذ البداية. أغمضت عينيها للحظات وهي تتذكر ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقته. تتذكر كيف انهار عالمها في لحظة واحدة، وكيف هربت إلى اليابان وهي تحمل طفلته بين أحشائها وقلبها محطم إلى آلاف القطع. - أنا... أتفهم ألمك يا ريو. رفعت نظرها إليه قبل أن تكمل بصوت منخفض: - لكن هل فكرت يومًا بألمي أنا؟ كيف كان شعوري عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان في الأصل قد أُرسل ليقتلني؟ خفض ريو رأسه بصمت. - هل تعلم ما هو أسوأ شيء بالنسبة لي؟ ليس كونك قاتلًا مأجورًا، بل أنك جعلتني أشك بكل لحظة جميلة عشتها معك. كنت أتساءل كل ليلة إن كانت ابتسامتك حقيقية أم مجرد جزء من مهمتك. تقدم خطوة نحوها وقال بحزن: - كانت حقيقية كلها يا هانا. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تهز رأسها. - ربما... لكن ذلك لا يمحو ما حدث. تن
جلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم". أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بال







