Se connecterساد الصمت داخل المكتب الفخم لعدة ثوانٍ بعد كلمات بارك تايسون الأخيرة. كانت نظرات الرجل الثاقبة تتفحص ملامح ريو وكأنه يحاول البحث عن ذلك الطفل الذي رباه بيديه قبل سنوات طويلة.
أما ريو، فوقف أمامه بهدوئه المعتاد، لكنه كان يعلم جيدًا أن هذا الرجل أخطر بكثير من أي عدو واجهه في حياته. ابتسم تايسون ابتسامة خفيفة وهو يشير إلى المقعد المقابل له. - اجلس يا ريو، لم نلتقِ منذ سنوات، لا تجعل لقاءنا يبدو وكأنه جنازة. جلس ريو أخيرًا وهو يعقد ذراعيه أمام صدره. - ماذا تريد مني؟ ضحك تايسون بخفة قبل أن يهز رأسه. - ما زلت تدخل في صلب الموضوع مباشرة. هذا أكثر ما يعجبني فيك. ثم أكمل وهو ينظر إليه بتمعن: - هل تعلم؟ عندما اختفيت دون أن تترك أي أثر، اعتقدت أنك قد مت. - كنت أتمنى ذلك أحيانًا. تجمدت ابتسامة تايسون للحظة قبل أن يضحك بصوت منخفض. - يبدو أن الحياة الهادئة جعلتك تتحدث كثيرًا. أخرج ملفًا أسود من درج مكتبه وألقاه أمام ريو. - افتحه. نظر ريو إلى الملف لثوانٍ قبل أن يفتحه بهدوء، لكن ما إن رأى محتوياته حتى تجمدت ملامحه. كانت عشرات الصور لهانا. صور لها وهي تخرج من الجامعة، وأخرى وهي تتناول الطعام مع والدها، وصور لها وهي تبتسم لريو داخل مدينة الملاهي. حتى الصورة التي كانت تعانقه فيها بعد حادث اختطافها كانت موجودة داخل الملف. قبض ريو على الملف بقوة حتى برزت عروق يده. - ماذا يعني هذا؟ ابتسم تايسون وهو يحتسي قهوته بهدوء. - إنها جميلة جدًا، أليست كذلك؟ - لا تقترب منها. للمرة الأولى منذ دخوله إلى الغرفة، ظهر الغضب الحقيقي في صوته. ابتسم تايسون ابتسامة واسعة وكأنه كان ينتظر سماع هذه الكلمات. - ها قد ظهر ريو الذي كنت أعرفه. ثم مال بجسده قليلًا للأمام وهو يقول: - هل تعلم كم فتاة حاولت إغواءك خلال السنوات الماضية؟ - ... - المئات، وربما الآلاف، لكنك لم تنظر إلى أي واحدة منهن ولو لمرة واحدة. لذلك كنت أتساءل دائمًا، ما شكل الفتاة التي ستتمكن من سرقة قلب أفضل قاتل في منظمتي؟ صمت للحظات قبل أن يكمل بابتسامة خبيثة: - والآن عرفت الإجابة. أغلق ريو الملف بقوة وهو يقول ببرود: - إذا كنت قد استدعيتني فقط للحديث عن حياتي الشخصية، فسأغادر. - اجلس. اختفت الابتسامة من وجه تايسون فجأة، وتحولت نبرته إلى نبرة الرجل الذي اعتاد إصدار الأوامر. - هل نسيت أنك تنتمي إلي يا ريو؟ - أنا لا أنتمي إلى أحد. - حقًا؟ ومن الذي أطعمك ورباك عندما كنت طفلًا يتضور جوعًا في الشوارع؟ - لقد حولتني إلى قاتل. - بل صنعت منك أسطورة يخشاها العالم السفلي بأكمله! ساد الصمت داخل الغرفة قبل أن يكمل تايسون حديثه بنبرة هادئة هذه المرة: - أخبرني يا ريو، هل أخبرتها بالحقيقة؟ - لا. - وهل ستظل تحبك عندما تعلم أنك قتلت المئات؟ لم يجب ريو هذه المرة. ابتسم تايسون ابتسامة ساخرة قبل أن يضيف: - هل ستبتسم لك بنفس الطريقة عندما تعلم أنك الشخص الذي أطلق النار في الاجتماع الذي أصيب فيه والدها؟ اتسعت عينا ريو قليلًا عند سماع ذلك. - كيف عرفت؟ - لا يوجد شيء يحدث في هذه المدينة دون أن يصلني خبره. ثم وقف من مكانه واتجه نحو النافذة. - اسمعني جيدًا يا ريو، الحب لا يناسب أشخاصًا مثلنا. نحن ولدنا في الظلام وسنموت فيه أيضًا. - أنت مخطئ. استدار تايسون نحوه بتفاجؤ بسيط. - ماذا قلت؟ رفع ريو رأسه ونظر إليه بثبات لأول مرة منذ بداية اللقاء. - ربما أنا ولدت في الظلام، لكن هذا لا يعني أنني لا أستحق أن أبحث عن النور. ساد الصمت في المكان بالكامل. أما تايسون، فقد ابتسم ابتسامة غامضة وهو يقول: - يبدو أن تلك الفتاة لم تسرق قلبك فقط، بل غيرت طريقة تفكيرك أيضًا. لكن السؤال الحقيقي هو... "إلى متى سأسمح لك بالاحتفاظ بهذا النور؟" انقبض قلب ريو فور سماعه تلك الكلمات، لأنه فهم جيدًا أن تهديد تايسون لم يكن موجهًا إليه... بل إلى هانا.بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...
بقيت هانا صامتة لعدة لحظات بعد أن انتهى ريو من الحديث. كانت تنظر إليه وعيناها ترتجفان قليلًا، فقد كانت كل كلمة قالها تصل إلى قلبها دون استئذان. هي تعلم جيدًا أنه أحبها، وتعلم أيضًا أنه خاطر بحياته من أجلها أكثر من مرة، لكن المشكلة لم تكن في حبه لها، بل في الكذب الذي بُنيت عليه علاقتهما منذ البداية. أغمضت عينيها للحظات وهي تتذكر ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقته. تتذكر كيف انهار عالمها في لحظة واحدة، وكيف هربت إلى اليابان وهي تحمل طفلته بين أحشائها وقلبها محطم إلى آلاف القطع. - أنا... أتفهم ألمك يا ريو. رفعت نظرها إليه قبل أن تكمل بصوت منخفض: - لكن هل فكرت يومًا بألمي أنا؟ كيف كان شعوري عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان في الأصل قد أُرسل ليقتلني؟ خفض ريو رأسه بصمت. - هل تعلم ما هو أسوأ شيء بالنسبة لي؟ ليس كونك قاتلًا مأجورًا، بل أنك جعلتني أشك بكل لحظة جميلة عشتها معك. كنت أتساءل كل ليلة إن كانت ابتسامتك حقيقية أم مجرد جزء من مهمتك. تقدم خطوة نحوها وقال بحزن: - كانت حقيقية كلها يا هانا. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تهز رأسها. - ربما... لكن ذلك لا يمحو ما حدث. تن
جلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم". أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بال







