Se connecterبقيت كلمات تايسون تتردد داخل أرجاء المكتب للحظات طويلة.
"إلى متى سأسمح لك بالاحتفاظ بهذا النور؟" كانت تلك الجملة كافية لتجعل نظرات ريو تصبح أكثر برودة من أي وقت مضى. فمنذ أن تعرف إلى هانا، لم يسمح لأحد حتى بالتلميح إلى إيذائها، أما الآن فالرجل الذي يعرفه جيدًا يهددها بشكل غير مباشر. وقف ريو من مكانه بهدوء، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاد: - إذا اقترب أحد منها، فلن أسامحه مهما كان. ابتسم تايسون ابتسامة صغيرة وهو ينظر إليه باهتمام. - مهما كان؟ حتى لو كنت أنا؟ - حتى لو كنت أنت. ساد الصمت داخل الغرفة للحظة، حتى الحراس الواقفين عند الباب تبادلوا النظرات بصدمة. فلم يسبق لأحد أن تحدث مع بارك تايسون بهذه الطريقة وخرج حيًا. لكن على عكس المتوقع، انفجر تايسون ضاحكًا وهو يصفق بيديه. - ههههه! هذا رائع! لقد كنت دائمًا أتمنى أن أرى ذلك الطفل الذي كنت أربيه وهو يقف أمامي بهذا الشكل. ثم أكمل وهو ينظر إلى ريو بعينين جادتين: - هل تعلم لماذا لم أقتلك عندما اختفيت؟ - لا يهمني السبب. - لأنك كنت ابني بالنسبة لي. تجمد ريو قليلًا عند سماع تلك الكلمات. - لقد وجدتك وأنت تحتضر من الجوع في أحد الأزقة. كنت مجرد طفل ضعيف لا يستطيع الدفاع عن نفسه. أنا من علمك كيف تحمل السلاح وكيف تعيش في هذا العالم. تنهد تايسون وهو يجلس مجددًا على كرسيه. - كنت أعتقد أنك ستصبح خليفتي يومًا ما، وأن المنظمة بأكملها ستكون ملكًا لك بعد موتي. - لم أطلب ذلك يومًا. - أعلم. لهذا السبب أنت مختلف عن الجميع هنا. نظر تايسون إلى صورة لهانا الموضوعة فوق الطاولة قبل أن يكمل حديثه: - لكنني لا أفهم أمرًا واحدًا. - ماذا؟ - ما الذي رأيته فيها؟ عقد ريو حاجبيه باستغراب. - إنها فتاة عادية بالنسبة للعالم، فلماذا خاطر أفضل قاتل لدي بمستقبله وحياته من أجلها؟ لأول مرة منذ بداية الحديث، ارتخت ملامح ريو قليلًا قبل أن يجيب بصوت هادئ: - لأنها أول شخص عاملني كإنسان. اتسعت عينا تايسون قليلًا. - عندما جرحت إصبعي أثناء مساعدتها في الطبخ، كادت تبكي خوفًا عليّ. لقد أصبت بطلقات نارية في الماضي ولم يهتم أحد إن كنت سأعيش أم أموت. خفض نظره للحظة قبل أن يكمل: - إنها أول شخص سألني إن كنت سعيدًا، وأول شخص جعلني أفكر كيف سيكون شكل حياتي لو كنت إنسانًا طبيعيًا. ساد الصمت داخل الغرفة بالكامل. - عندما أكون معها، أنسى أنني قاتل. ابتسم تايسون ابتسامة حزينة هذه المرة وهو يهز رأسه. - لهذا السبب أخبرتك منذ طفولتك ألا تقع في الحب أبدًا. ثم تغيرت ملامحه فجأة وقال بجدية: - لدي عرض لك يا ريو. - وما هو؟ - عد إلى المنظمة. - مستحيل. - استمع إلى حديثي أولًا. عد لمدة عام واحد فقط، ونفذ آخر مهمة أطلبها منك، وبعدها سأسمح لك بالاختفاء مع تلك الفتاة والعيش كما تريد. نظر إليه ريو بشك واضح. - ولماذا أفعل ذلك؟ - لأن هناك من بدأ يطمع بمكانك داخل العالم السفلي. إذا أردت الخروج من هذا العالم، فعليك أن تخرج منه بالطريقة الصحيحة. توقف قليلًا قبل أن يضيف: - وإلا فإن الأعداء الذين صنعتهم خلال سنوات عملك سيصلون إليها عاجلًا أم آجلًا. قبض ريو يده بقوة. لقد كان يعلم أن كلامه صحيح. فحتى لو تخلى عن حياة القتل، فإن ماضيه لن يختفي بهذه البساطة. وفي تلك اللحظة، بدأ يدرك أن حماية هانا قد تتطلب منه خوض أخطر معركة في حياته... مع ماضيه نفسه. أما في منزل جون كيم، فكانت هانا تنظر إلى هاتفها بقلق بعدما مرت ساعات طويلة دون أن يجيب ريو على رسائلها، دون أن تعلم أن الرجل الذي تحبه يقف الآن على مفترق طريق قد يغير حياتهما إلى الأبد.بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...
بقيت هانا صامتة لعدة لحظات بعد أن انتهى ريو من الحديث. كانت تنظر إليه وعيناها ترتجفان قليلًا، فقد كانت كل كلمة قالها تصل إلى قلبها دون استئذان. هي تعلم جيدًا أنه أحبها، وتعلم أيضًا أنه خاطر بحياته من أجلها أكثر من مرة، لكن المشكلة لم تكن في حبه لها، بل في الكذب الذي بُنيت عليه علاقتهما منذ البداية. أغمضت عينيها للحظات وهي تتذكر ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقته. تتذكر كيف انهار عالمها في لحظة واحدة، وكيف هربت إلى اليابان وهي تحمل طفلته بين أحشائها وقلبها محطم إلى آلاف القطع. - أنا... أتفهم ألمك يا ريو. رفعت نظرها إليه قبل أن تكمل بصوت منخفض: - لكن هل فكرت يومًا بألمي أنا؟ كيف كان شعوري عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان في الأصل قد أُرسل ليقتلني؟ خفض ريو رأسه بصمت. - هل تعلم ما هو أسوأ شيء بالنسبة لي؟ ليس كونك قاتلًا مأجورًا، بل أنك جعلتني أشك بكل لحظة جميلة عشتها معك. كنت أتساءل كل ليلة إن كانت ابتسامتك حقيقية أم مجرد جزء من مهمتك. تقدم خطوة نحوها وقال بحزن: - كانت حقيقية كلها يا هانا. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تهز رأسها. - ربما... لكن ذلك لا يمحو ما حدث. تن
جلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم". أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بال







