Masukمن وجهة نظر أنجلي
مهما حاول لوكا وإيفان أن يعرفا ما الذي حدث... لم أخبرهما بالحقيقة. قلت فقط إنني شعرت بدوار مفاجئ. وبعد عدة دقائق... اقتنع لوكا أخيرًا. أو على الأقل تظاهر بذلك. أما إيفان... فبقي ينظر إلي وكأنه لا يصدق كلمة واحدة. "أنا بخير." قلت للمرة الثالثة. "وأنا أصدقك للمرة الثالثة." رد بهدوء. لكن تعابير وجهه قالت شيئًا مختلفًا تمامًا. تنهدت. ثم أجبرت نفسي على الابتسام. "حقًا أنا بخير." بعدها بقليل... غادر لوكا وإيفان... أصبح المنزل هادئًا من جديد. أغلقت الباب خلفهما. ثم استندت إليه ببطء. وضعت يدي فوق رأسي. وما زلت أشعر بذلك الألم الخفيف خلف عيني. وكأن شيئًا يحاول الخروج من أعماق ذاكرتي. "ما الذي يحدث معي...؟" همست لنفسي. سرت نحو الأريكة وجلست ببطء. ثم أغمضت عيني. وحاولت تذكر ما رأيته. تلك الطفلة. تلك المرأة ذات الشعر الفضي. وذلك الاسم. لافندر. **** الراوي.. الاسم لم يكن غريبًا عليها. كانت تعرفه. إيفان أخبرها عنه. أخبرها عن الفتاة التي أحبها. الفتاة التي ما زال يزور قبرها حتى الآن. الفتاة التي لم يستطع نسيانها رغم مرور السنوات. إذاً... لماذا ظهرت في ذكرياتها؟ ولماذا نادتها تلك المرأة بذلك الاسم؟ ولماذا شعرت للحظة... وكأن قلبي انقبض عندما سمعته؟ وضعت يدي فوق صدري. كان الخفقان يزداد. "لا..." هزت رأسها بسرعة. "هذا مستحيل." لافندر ماتت. هكذا قال إيفان. الجميع يعرف ذلك. إذاً كيف يمكن أن تكون لها أي علاقة بها؟ لكن مهما حاولت إقناع نفسها... بقي ذلك الشعور الغريب داخلها. وكأن هناك جزءًا من الحقيقة يختبئ خلف باب مغلق. وجزء منها... يخاف أن يفتحه. وفي تلك الليلة... استلقت فوق سريرها. لكن النوم لم يأتِ بسهولة. وما إن أغلقت عينيها... حتى ظهر الحلم مجددًا. هذه المرة كان أوضح. قصر ضخم. ممرات طويلة. وضحكات طفلة صغيرة. كانت تركض بكل مكان. ثم توقفت فجأة. ورفعت يديها بحماس. "خالتي هرلين!" ركضت نحو امرأة ذات شعر فضي طويل. كانت تبتسم لها بحنان. ثم حملتها بين ذراعيها. "وماذا فعلتِ اليوم يا لافندر الصغيرة؟" "لا شئ." قالت الطفل وهي تضحك "كاذبة." قالت صاحبت العيون الفضية. لكن... وقبل أن ترى المزيد... استيقظت أنجلي فجأة. تتنفس بسرعة. وقلبها يكاد يخرج من صدرها. وكانت دمعة واحدة فقط... تنزل على خدها دون أن تعرف السبب. لأنها للمرة الأولى... أصبحت تخاف من معرفة الحقيقة. شعرت أنجلي وكأنها ترى المشهد بعيني الطفلة نفسها. وكأنها هي من كانت بين ذراعي تلك المرأة. وكأنها هي من كانت تسمع ذلك الصوت. وكأن... "لافندر." كانت هي. شهقت بقوة. وكان قلبها يخفق بجنون. "لا..." همست بخوف. "هذا مستحيل." جلست فوق السرير. والعرق يغطي جبينها. لأن فكرة واحدة فقط كانت تدور داخل رأسها. إذا كانت تلك مجرد أحلام... ولماذا تبدو حقيقية إلى هذا الحد؟ ولماذا تشعر في كل مرة أنها لا تشاهد ذكرى شخص آخر... بل تتذكر شيئًا عاشته بنفسها؟ **** في الجهة الأخرى من المملكة... كان إيفان يسير بجانب لوكا. والصمت يرافقهما. حتى تنهد لوكا. "أخبرني." لم يلتفت إليه إيفان. "ماذا؟" "ما الذي يشغلك؟" صمت. ثم أجاب أخيرًا. "هي. ابتسم لوكا فورًا. "كنت أعلم." "لا تقصد ما تظن." "إذن ماذا أقصد؟" نظر إليه إيفان ببرود. فرفع لوكا يديه باستسلام. "حسنًا." ثم أصبح أكثر جدية. "لكن هناك شيء غريب فعلًا." توقفت خطوات إيفان للحظة. لأنه كان يفكر بالأمر نفسه. رائحة لافندر. الشعور المألوف. وتلك الذكرى الغريبة داخل المعبد. كل ذلك لم يكن طبيعيًا. إيف: قلت لك. تنهد إيفان. إيف: كلما اقتربنا منها أشعر بشيء غريب. "وأنا أيضًا." إيف: هل تعتقد... "لا." قاطعه فورًا. إيف: لكن... "لا." كررها مجددًا. لأنه يعرف تمامًا ما الذي يحاول ذئبه قوله. وهو مستحيل. مستحيل تمامًا. لافندر ماتت. هو بنفسه دفنها. هو بنفسه زار قبرها لسنوات. لا يوجد احتمال آخر. أليس كذلك؟ لكن لسبب لم يستطع تفسيره... شعر بقشعريرة باردة تمر في جسده. وكأن القدر نفسه... كان يبتسم له بسخرية. .الراوي تحولت القاعة الملكية خلال دقائق إلى خلية نحل. لم يعد أحد جالسًا. الحراس يركضون في كل الاتجاهات. الخدم يسألون بعضهم بارتباك. وأصوات الأوامر تملأ المكان. "فتشوا الحدائق!" "أغلقوا البوابات!" "أرسلوا فرقة إلى الغابة!" "لا تتركوا أي زاوية دون تفتيش!" كان التوتر ينتشر كالنار. أما سيلينا... فكانت واقفة في منتصف القاعة، شاحبة الوجه. يداها ترتجفان. وعيناها تدوران بين الوجوه وكأنها ترفض تصديق ما تسمعه همست بصوت مكسور: "لا..." "لا يمكن..." ثم بدأت تمشي بسرعة نحو الدرج. "سأبحث مرة أخرى..." صعدت الدرجات راكضة. دخلت غرفة أنجلي للمرة الثانية... ثم الثالثة... ثم الرابعة. فتحت الخزانة. نظرت تحت السرير. فتحت الشرفة. نادتها بصوت مرتفع: "أنجلي!" "أنجلي!" لكن... لم يجبها أحد. اقتربت من السرير. كان مرتبًا. لكن الوسادة... كانت تحمل رائحة ابنتها. مدت يدها ولمستها برفق. ثم أغمضت عينيها. وانهمرت دموعها. "أين أنتِ يا صغيرتي...؟" "أين ذهبتِ...؟" جلست على طرف السرير وهي تضم الوسادة إلى صدرها. ولأول مرة منذ سنوات... بدأ ا
من وجهة نظر إيفان لم تمضِ سوى دقائق... حتى أصبحت المملكة بأكملها تبحث عنها. كل فارس... كل جندي... كل حارس... خرج يبحث في كل زاوية. أما أنا... فلم أستطع الوقوف ساكنًا. "ألفا!" ركض أحد الحراس نحوي. "فتشنا الضفة الشرقية للنهر." "ولا أثر." شددت قبضتي. "أكملوا." "نعم." ركض مجددًا. داخل رأسي... كان إيف يزمجر باستمرار. "أشم رائحتها... ثم تختفي." "هناك سحر يقطع الأثر." تنهدت بغضب. "أعرف."**** في الجهة الأخرى... كان لوكا وأيان يركضان وسط الغابة. تحول كلاهما إلى ذئبين ضخمين. أرن كان يشم الأرض بجنون. بينما ذئب أيان يدور بين الأشجار. قال أيان عبر الرابط الذهني: "وجدت آثار أقدام!" ركض لوكا نحوه بسرعة. لكن بعد لحظات... خرج صوته من جديد. "...لا." "إنها آثار غزلان." ضرب لوكا جذع شجرة بمخالبه. حتى تشقق نصفها. "تبًا!" --- أما داخل القصر... فكان زاك يتنقل بين الغرف بنفسه. يفتح الأبواب... يفتش النوافذ... يدقق في الأرض. لينيا كانت خلفه مباشرة. ورغم هدوئها المعتاد... إلا أن أصابعها كانت ترتجف. قالت بصوت منخفض: "
من وجهة نظر إيفان استيقظت ببطء. فتحت عيني على ضوء الصباح الذي تسلل من بين الستائر، لكن الغريب أن أول ما شعرت به... لم يكن الصداع، ولا التعب. بل ذلك الدفء. ذلك الشعور الذي بقي عالقًا في صدري منذ ليلة الأمس. رائحة الزهور... وضغط أصابعها الخفيف على فرائي عندما كانت تركب فوق ظهر إيف. أغمضت عيني مرة أخرى. "ما هذا الشعور..." ضحك إيف داخل رأسي. "أخبرتك... كانت سعيدة معنا." تنهدت بهدوء. "لا تفسر الأمور كما تريد." "وأنت لا تهرب كما تريد." لم أجبه. نهضت من السرير، غسلت وجهي بالماء البارد، ثم ارتديت ملابسي السوداء المعتادة، وربطت شعري الأبيض للخلف. لكن رغم كل ذلك... كانت صورة أنجلي وهي تضحك فوق الجبل تقتحم ذهني دون استئذان. هززت رأسي بقوة. "يكفي..." "لن تنساها." " ......." خرجت من الغرفة متجهًا إلى القاعة الرئيسية. كانت الطاولة الكبيرة ممتلئة بالجميع. جدي ألفرد... أبي هيفان... زاك... لينيا... أيان... إيلورا... ملك سيلينفورد وزوجته ألونا... ولوكا أيضًا. الخرائط كانت منشورة فوق الطاولة. قال ألفرد بجدية: "الختم الذي وجدتموه يخص مملكة الظل الأسود... لكن هذا لا يعني
من وجهه نظر أنجلي في البداية كان كل شيء ضبابياً. أصوات بعيدة. وجوه غير واضحة. وكلمات لا أستطيع فهمها. كنت أمشي وسط الضباب وكأنني أبحث عن شيء ضاع مني منذ زمن طويل. ثم بدأت الصور تتجمع ببطء. شجرة كبيرة. حديقة مليئة بالورود البنفسجية.قصر ضخم. وضوء شمس دافئ. رمشت باستغراب.كنت أسير بين الزهور والأشجار.كنت أشعر وكأني أعرف هذا المكان،وكأنه جزء مني منذ زمن شعرت بحرارة غريبة داخل عيني.إلي أن.... فجأة رأيتهم. أشخاص يجلسون حول طاولة كبيرة. يضحكون. ويتحدثون بسعادة. شعرت أنني أعرفهم.بل... كنت متأكدة أنني أعرفهم. هناك كان إيفان. بشعره الأبيض الطويل. وعينيه الزرقاوين. وبجانبه لوكا. ثم هيفان وهرلين. وزاك ولينيا. وأيان. ووالدت هرلين ولينيا لورين ووالدهم ألنيوس. والملك ألفرد والملك إيلينا. الجميع كانوا يضحكون. والجو مليء بالدفء. شعرت بشيء يخنق صدري. وكأنني اشتقت لهم. اشتقت لهم كثيراً. ثم سمعت صوت لينيا. واضحاً هذه المرة. "لافندر، هل يمكنك إحضار كوب ماء لي؟" تجمدت. لافندر؟ التفت الجميع نحو جهة ما. لكن قبل أن أرى الشخص... بدأ كل شيء يختفي. تشوشت الأصوات. وتحط
من وجهه نظر إيفان. وقفت أراقب الظلام بين الأشجار بينما أصوات العواء ترتفع من كل مكان حولنا. كانت ليلة جري القطيع. ليلة ينتظرها الجميع. حتى إيف داخل رأسي كان سعيداً بشكل لا يصدق. "انظر إليهم..." قال بسعادة.:"الجميع مع رفقائهم." تنهدت وأنا أراقب الذئاب الضخمة تركض بين الأشجار. كان جميع التسلسل الهرمي للذئاب مجتمعين ،اليكان والببيتا والاميغا. والدي هيفان كان في المقدمة تقريباً، يركض بفخر بين أفراد القطيع، بينما كانت والدتي هرلين إلى جانبه بشكلها الذئبي. لوكا كان مع إيفونا. أيان مع إيلورا. وزاك بشكله كا خفاش . كان يحلق فوق قطيع الذئاب وقرب لينيا. الجميع بدا سعيداً. الجميع... إلا أنا. وقفت بصمت أراقبهم حتى سمعت صوت خطوات خفيفة خلفي. التفت. كانت أنجلي. شعرها الذهبي يتحرك مع نسيم الليل، وعيناها البنيتان تعكسان ضوء القمر. ابتسمت بخفة. "ألن تذهب معهم؟" هززت رأسي. "سأذهب بعد قليل." ثم نظرت إليها. "وأنتِ؟" ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها شيء من الحزن. "كما ترى... لا أستطيع." ساد الصمت للحظة. ثم تابعت وهي تنظر إلى الذئاب البعيدة: "لكن يبدو شعوراً جميلاً... أن تركض بحرية
الراوي. ظلام... كان كل شيء مظلمًا. أصوات بعيدة. وجوه لا تستطيع رؤيتها. وهمسات تتردد حولها. "أعيدوها..." "لقد حان الوقت..." "لا تدعيها تنام أكثر..." ثم فجأة... رأت فتاة تقف وسط حقل من الزهور البنفسجية. شعر أسود طويل. وعيون حمراء لامعة. كانت تبتسم لها بحزن. وتهمس بشيء. لكنها لم تستطع سماعه. بدأت الفتاة تبتعد. خطوة... ثم أخرى... حتى اختفت وسط الضباب. "انتظري!" ركضت خلفها. لكن الأرض تشققت تحت قدميها. وفجأة... سقطت. شهقت بقوة. وانفتحت عيناها. أنفاسها متقطعة. وجسدها مغطى بالعرق. وقلبها يكاد يخرج من صدرها. كانت تحاول التقاط أنفاسها عندما شعرت بذراعين تلتفان حولها بسرعة. تجمدت للحظة. ثم رفعت رأسها. إيفان. كان جالسًا بجانب سريرها. وعيناه مليئتان بالقلق. "أنجلي." صوته كان هادئًا بشكل غريب. "اهدئي..." لكنها لم تستطع. لا تعرف لماذا. كل ما شعرت به هو الخوف. والوحدة. والحزن. لذلك تشبثت بقميصه فجأة. وعانقته بقوة. كما لو أنها تخشى أن يختفي. تفاجأ إيفان للحظة. لكنه شد ذراعيه حولها أكثر. وتركها تبكي. فقط تبكي. دون أن يقول شيئًا. مرت دقائق طويلة. حتى
من وجهة نظر لوكا وقفت أمام باب غرفة لافندر. فقط وقفت. دون أن أتحرك. دون أن ألمس المقبض. وكأن شيئًا ما كان يمنعني من الدخول. حدقت بالباب الخشبي طويلًا. هذا الباب... كم مرة فتحته لاقتحم غرفتها؟ كم مرة سمعتها تصرخ بغضب لأنني أخذت شيئًا من أغراضها؟ كم مرة ركضت خلفي في الممرات وهي ته
من وجهة نظر لينيا وقفت أمام النافذة بصمت. كانت نورفاي هادئة بشكل غريب. لأول مرة منذ أيام لم أسمع أصوات القتال. ولا الانفجارات. ولا صرخات الجنود. فقط هدوء. هدوء كان من المفترض أن يمنحني الراحة. لكنه لم يفعل. لأنني كنت أعرف جيدًا ما هو ثمن هذا السلام. أغمضت عيني للحظة. ثم فتحتها وأنا أنظر
من وجهة نظر إيفان لم أعرف منذ متى وأنا أمشي. ولا إلى أين. كل ما أعرفه أنني خرجت من المملكة. وتركت الجميع خلفي. لم أعد أستطيع البقاء هناك. كل زاوية كانت تذكرني بها. كل صوت. كل مكان. كل شيء. كانت لافندر في كل مكان... إلا أنها لم تعد موجودة. واصلت المشي بين الأشجار بصمت. لكن كلما حاولت ال
من وجهة نظر هرلين لم أعد أحتمل رؤية الجميع بهذه الحالة. كان الحزن في كل مكان. في عيون لوكا. في دموع لينيا. في صمت إيفان . والباقين. وفي ذلك الفراغ المخيف داخل عيني إيفان. حتى المملكة نفسها بدت وكأنها تبكي. والجنود و الذين نجوا كانوا ينظرون إلى الأرض بصمت. لا أحد يتحدث. لا أحد