LOGINمن وجهة نظر إيفان
لم أستطع النوم. رغم أن المعالج أكد أن السم بدأ يخرج من جسدي... إلا أن قلبي... كان يؤلمني أكثر من جرحي. جلست على حافة السرير، أحدق في ضوء القمر المتسلل من النافذة. كلما أغمضت عيني... رأيتها. مرة تبتسم. ومرة تبكي. ومرة تمد يدها نحوي... لكنني لا أصل إليها أبدًا. "لن تنام الليلة أيضًا؟" صدر صوت إيف داخل رأسي. تنهدت ببطء. "كيف أنام..." "...وأنا لا أعرف إن كانت بخير؟" ساد الصمت للحظة. ثم قال إيف بصوت منخفض: "ما زلت أشعر بها..." رفعت رأسي بسرعة. "ماذا تقصد؟" "لا أعرف..." "لكن رابطة الرفيق التي شعرت بها عندما عرفت أنها لافندر..." "لم تختفِ." اتسعت عيناي. "إذن..." "هي ما زالت على قيد الحياة." "هاذا يعني أن آيروكا لم يصل إليها بعد." أغلقت عيني بقوة. وشعرت بأن حملاً ثقيلاً انزاح قليلًا عن صدري. همست: "الشكر للألها..." لكن ذلك الارتياح لم يدم طويلًا. لأن السؤال الذي عاد يطاردني كان: أين هي؟ وقفت بهدوء. ارتديت ملابسي السوداء. وحملت سيفي. "إيفان..." قالها إيف بقلق. "إلى أين؟" أجبت وأنا أفتح باب الغرفة: "سأبحث عنها." "وأنت مصاب." "لا يهم." "الجميع سيمنعك." ابتسمت ابتسامة خافتة. "لهذا السبب..." "...لن أخبر أحدًا." خرجت من الغرفة بصمت. وكانت أروقة القصر غارقة في السكون. لم يرني أحد. وبعد دقائق... كنت أقف خارج أسوار سيليفورد. نظرت إلى القمر. ورفعت رأسي نحوه. "أقسم لك يا لافندر..." "...لن أتوقف حتى أعيدك." ثم... تحولت إلى شكل اليكان. وانطلقت بين الأشجار بسرعة البرق. ****** من وجهة نظر إيثان انتظرت... حتى عمّ الهدوء القرية كلها. تأكدت أن لافندر قد غلبها النوم. وقفت للحظات عند باب غرفتها. أنظر إليها. كانت ملامحها هادئة. لكن حتى وهي نائمة... كانت تعبس بين حين وآخر. اقتربت بخطوات بطيئة. وسحبت البطانية لتغطي كتفها جيدًا. ثم همست بصوت لم يكن موجهًا لها وحدها... بل لنفسي أيضًا. "لن أسمح لأحد أن يأخذك." استدرت وغادرت المنزل. كانت السماء ملبدة بالغيوم. والريح الباردة تعبر بين الأشجار. سلكت طريقًا لا يعرفه أحد من أهل القرية. حتى وصلت إلى تل صغير. وقفت أمام صخرة ضخمة. وضعت راحة يدي عليها. بدأت الرموز القديمة تضيء بلون أخضر باهت. ثم... اهتزت الأرض. وانشقت الصخرة ببطء. كاشفة عن درج حجري ينزل إلى الأسفل. نزلت بصمت. حتى وصلت إلى قاعة قديمة. كانت الجدران مغطاة بالرموز. والرفوف مليئة بكتب لم يمسسها أحد منذ زمن بعيد. تقدمت نحو منضدة حجرية. وأخرجت كتابًا جلديًا أسود. فتحته. وقلب صفحاته بسرعة. حتى توقفت يدي عند صفحة معينة. قرأتها بصمت. ثم شحب وجهي. وهمست: "إذن..." "...لقد بدأ بالفعل." أغلقت الكتاب بسرعة. وأخفيته داخل عباءتي. وفي اللحظة نفسها... شعرت بهالة بعيدة... تزداد اقترابًا. رفعت رأسي نحو السقف. وهمست: "أسرع مما توقعت..." ***** داخل قصر مملكة الظل الأسود كان الظلام يبتلع أرجاء القاعة. لا أحد يجرؤ على رفع رأسه. الحراس راكعون. والوزراء صامتون. وفوق درجات العرش... وقف آيروكا. عباءته السوداء تتحرك رغم غياب الريح. وعيناه الحمراوان تجولان في الوجوه. قال بهدوء... لكنه كان كافيًا ليزرع الرعب في القلوب: "هل وجدتموها؟" ارتجف أحد الجنود. "لا... يا مولاي." ساد الصمت. ثم... ابتسم آيروكا. ابتسامة باردة. "ابحثوا مرة أخرى." رفع الجندي رأسه بخوف. "ومن... بالتحديد؟" أجاب دون تردد: "حفيدة كرستون دارك." تبادل الجميع النظرات. ثم أكمل: "أحضروها إليّ..." "قبل أن يصل إليها الآخرون." ولم يقل كلمة إضافية. لكن الهالة السوداء التي خرجت منه... كانت كافية لتجعل الجميع ينحنون أكثر. ****** من وجهة نظر زاك لم أستطع النوم. كلما أغلقت عيني... رأيت وجه لافندر وهي طفلة. ثم... وجهها وهي تضحك. ثم... اختفاؤها. تنهدت. واتجهت نحو أعمق جزء في مكتبة القصر. مكان... لم أدخله منذ سنوات طويلة. وقفت أمام باب حجري قديم. وضعت يدي عليه. بدأت الأحرف القديمة تلمع. وانفتح الباب ببطء. دخلت. كان الغبار يملأ المكان. لكن كل شيء بقي كما تركه والدي. تقدمت حتى وصلت إلى صندوق خشبي أسود. وضعت يدي عليه. همست: "سامحني يا أبي..." "لكنني بحاجة إلى إجابات." فتحته ببطء. كان بداخله عشرات المخطوطات. وفي الأعلى... دفتر جلدي قديم. عرفته فورًا. إنه دفتر والدي... كرستون دارك. فتحته. وكانت أول جملة مكتوبة بخطه: > "إذا عاد آيروكا يومًا..." توقفت أنفاسي. أكملت القراءة. > "فلا تسمحوا أبدًا أن تقع أحفادي بين يديه..." شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. قلبت الصفحة بسرعة. لكن... انطفأت جميع الشموع دفعة واحدة. تجمدت في مكاني. ساد ظلام دامس. ثم... شعرت بهالة ثقيلة جدًا... خلف ظهري مباشرة. ولم يكن ذلك الإحساس... إحساس عدو عادي. ببطء... شددت قبضتي على الدفتر. وهمست دون أن ألتفت: "...من هناك؟" لكن... لم يجبني أحد.من وجهة نظر الكاتب. ساد الصمت داخل قاعة العرش. لم يكن ذلك الصمت صمت راحة... بل صمت أشخاص أدركوا أن الحرب أصبحت على أبوابهم. وقف الملك ألفرد أمام الطاولة الحجرية الكبيرة، بينما انتشر حولها الجميع. هيفان يقف واضعًا يديه خلف ظهره، لكن عينيه لم تفارقا الباب. زاك وقف بجانب لينيا، وملامحه لم تعرف الهدوء منذ ساعات. فاليريان بقي صامتًا في زاوية القاعة، يراقب الجميع بعينين لا تزالان تحملان ثقل السنين. أما هرلين... فكانت شاردة الذهن تمامًا. تقبض على طرف ثوبها دون أن تشعر. همست جوليا داخلها: "إنه ليس هنا..." ارتجف قلبها. رفعت رأسها فجأة وقالت بصوت متردد: "ألفرد..." التفت الجميع إليها. ابتلعت ريقها بصعوبة. ثم قالت: "إيفان..." "...ليس داخل المملكة." تجمدت الوجوه. قطب ألفرد حاجبيه بسرعة. "ماذا تقصدين؟" نظرت إليه والدموع تلمع في عينيها. "بحثت عنه في غرفته..." "وفي كل أرجاء القصر." "لقد... خرج." ساد صمت ثقيل. لكن أول من فهم السبب... كان لوكا. أغمض عينيه وهمس: "ذهب إليها..." التفت الجميع نحوه. قال وهو يزفر ببطء: "كان سيذهب مهما منعناه." "هو مقتنع أن لافندر ما زالت ت
الراوي... اندفع الجميع في هجوم عنيف وكان الهدف وأحد وهو حمايت المملكة والجميع. اندفع الفرد والبقين لكن آيروكا كان أسرع من البرق. فا في ثانيه يكون أمامهم وفي آخره خلفهم. "تبٱ ،انه يلعب بنا." قال لوكا وهو يشد قبضته على سيفه.. وفي لحظة.... رفع آيروكا يده... وقبل أن يتمكن أحد من التحرك... اختفى من مكانه. لم ير أحد حركته. وفي اللحظة التالية... شهقت إيفونا. "لوكا!" رفع الجميع رؤوسهم. كان لوكا معلقًا في الهواء... وأصابع آيروكا تطبق على عنقه بقوة. كان يحاول التخلص منه... لكن دون جدوى. بدأ وجهه يشحب. وأصبحت أنفاسه متقطعة. صرخت إيفونا وهي تركض نحوه. "لوكاااا!" لكن أيان أمسكها بسرعة. "لا!" "سيقتلك!" ابتسم آيروكا وهو ينظر إلى لوكا الذي بدأ يفقد وعيه. ثم قال بصوت بارد: "سأقتل أفراد هذه العائلة..." "...واحدًا تلو الآخر." شد قبضته أكثر. فتأوه لوكا بألم. ثم أكمل وهو ينظر مباشرة إلى زاك وهيفان: "وسأبدأ بهذا الذئب الصغير." "فإما أن تسلموني لافندر..." "...أو سأجعل سيليفورد مقبرة." ساد الصمت. هيفان كاد يندفع. لكن فاليريان أمسك ذراعه.
من وجهة نظر هرلين لم يتحرك أحد... حتى الرياح التي كانت تعصف بساحة القصر... بدت وكأنها توقفت. كانت الهالة التي يطلقها آيروكا تضغط على صدري حتى أصبح التنفس مؤلمًا. ورغم أنني عشت حروبًا كثيرة... إلا أنني لم أشعر بهذا القدر من الخوف من قبل. وقف آيروكا في منتصف الساحة. خلفه الدوامة السوداء تدور ببطء. وأمامه... وقف جميع من أحبهم. هيفان. زاك. لينيا. ألفرد. النيوس. لوكا. أيان. إيلورا. إيفونا. وكل حراس سيليفورد. رفع آيروكا نظره إلى القصر. ثم ابتسم. "جميل..." "ما زال هذا المكان قائمًا." تقدم الملك ألفرد خطوة. رغم ضغط الهالة... ورغم أن الأرض تحت قدميه كانت تتشقق. قال بصوت ثابت: "لن أسمح لك بالعبث بمملكتي." نظر إليه آيروكا للحظة. ثم... ضحك. لم يكن ضحكًا عاليًا. بل ضحكة قصيرة... لكنها جعلت الدم يتجمد في عروقي. "أنت..." قالها وهو ينظر إلى ألفرد. "تشبه جدك كثيرًا." عقد ألفرد حاجبيه. "وهل تعرفه؟" ابتسم آيروكا. "لقد قتلته." ... ساد الصمت. اتسعت عينا ألفرد. أما النيوس... فأطبق أسنانه بقوة حتى برزت عروق عنقه. صرخت لورين دون وعي: "كاذب!" لكن آيروكا لم ينظ
من وجهة نظر هرلين وقفت أمام نافذة القصر... لكن عيني لم تكونا تريان الحديقة الممتدة أمامي. كان فكري... في مكان آخر. "هرلين..." همست جوليا داخل رأسي. "ما زلت قلقة عليه؟" أغمضت عيني. "لا أستطيع أن أهدأ." "منذ أن استيقظ..." "...ونظراته لم تكن طبيعية." تنهدت جوليا. "إنه يشبه والده..." "حين يقرر شيئًا..." "لا أحد يستطيع إيقافه." ارتجفت يدي. وفجأة... اتسعت عيناي. "...إيفان." استدرت بسرعة. وركضت خارج الغرفة. مررت عبر الممرات الطويلة. ثم توقفت أمام باب غرفته. طرقت الباب. مرة... مرتين... ثلاثًا... لكن... لم يجب أحد. دفعت الباب بقوة. كان السرير مرتبًا. والنافذة... مفتوحة. شحب وجهي. همست: "لا..." التفتُّ بسرعة، وخرجت أركض بين الممرات. "إيفان!" "إيفان!" لم يكن هناك أي أثر له. بدأ جسدي يرتجف. وأصبحت أنفاسي متقطعة. وفجأة... اصطدمت بصدر صلب. كادت قدماي تخوناني. لكن ذراعين قويتين أمسكتاني قبل أن أسقط. رفعت رأسي. "هيفان..." وما إن رأيته... حتى امتلأت عيناي بالدموع. تشبثت بثوبه. وقلت بصوت مكسور: "لم..." "...لم أجده." "إيفان ليس في غرفته." خرجت الكل
من وجهة نظر زاك بقيت أحدق عبر النافذة. كانت الهالة السوداء التي شعرنا بها قد اختفت... لكن ذلك لم يطمئنني. بل جعل قلقي يزداد. اقترب فاليريان حتى وقف بجانبي. قال بصوت هادئ: "لقد بدأ يتحرك... لكنه لن يهاجم الآن." أدرت وجهي نحوه. "كيف أنت متأكد؟" ابتسم ابتسامة باهتة. "لأن آيروكا لا يحب القتال السريع." "إنه يستمتع بأن يجعل خصمه يعيش الخوف أولًا." قبضت يدي بقوة. "وهذا ما يفعله بنا الآن." هز رأسه. "تمامًا." ساد الصمت للحظات. ثم التفت إليّ فجأة. "زاك..." "هل أخبرت أحدًا بحقيقة دم لافندر؟" هززت رأسي بسرعة. "لا." "حتى لينيا لا تعرف كل شيء." تنهد فاليريان براحة. "جيد..." "كلما قلّ عدد من يعرف... كان ذلك أفضل." عقدت حاجبي. "هناك شيء آخر... أليس كذلك؟" نظر إليّ طويلًا... ثم قال: "كرستون كان يقول دائمًا..." > "الدم القوي لا يجلب القوة فقط... بل يجذب الطامعين أيضًا." شعرت بقشعريرة تسري في ظهري. سألته ببطء: "هل يوجد أشخاص آخرون... غير آيروكا... يريدون دمها؟" أخفض بصره للحظة. ثم قال: "لو علموا أنها ما زالت حية..." "...فلن يك
من وجهة نظر زاك "...من هناك؟" خرج صوتي منخفضًا، لكنه ملأ أرجاء المكتبة السرية. لم يجبني أحد. ظل الصمت يخيم على المكان، حتى ظننت أنني توهمت تلك الهالة. تنهدت، وكدت أعود إلى قراءة مذكرات والدي... لكن فجأة... رفرفة أجنحة. رفعت رأسي بسرعة. دخل خفاش أسود من النافذة الصغيرة، وأخذ يدور في أرجاء الغرفة. ضيقت عيني وأنا أراقبه. لكن في اللحظة التالية... هبط على الأرض. وأحاط به ضباب أسود كثيف. وببطء... بدأ الضباب يتلاشى. ليظهر رجل مسن. كان طويل القامة، مستقيم الظهر رغم آثار الزمن الواضحة على وجهه. شعره الأسود تخللته خصلات فضية، وعيناه الحمراوان كانتا تحملان هيبة جعلت حتى الهواء من حوله يبدو أثقل. نظر إليّ طويلًا... ثم ابتسم ابتسامة هادئة. وقال: "زاك..." "لقد مر وقت طويل." توقفت أنفاسي للحظة. همست بعدم تصديق: "...فاليريان؟" ابتسم الرجل أكثر. "لم أتوقع أن أراك مجددًا." أخفضت رأسي قليلًا. ثم قلت بصوت متعب: "ولا أنا." اقترب مني حتى وقف أمامي مباشرة. ثم نظر إلى ملامحي مليًا. "لقد كبرت..." "...وأصبحت تشبه كرستون أكثر مما كنت أتخيل." ابتسمت ابتسامة صغيرة سرعان ما اختف
الراوي بعدما حمل إيفان والده إلى داخل القصر، كان قلبه يصرخ عليه أن يبقى. أن يبقى قرب هيفان. أن يتأكد أنه سيفتح عينيه مجددًا. لكن الحرب لم تنتهِ بعد. ولهذا ضغط على أسنانه. وأدار ظهره. وعاد إلى ساحة القتال. في الداخل... كانت لينيا ومعها المعالجون والساحرات يحاولون إنقاذ هيفان. ال
الراوي بعدما توحد الجميع أخيرًا ضد نايثروكس، لم تعد المعركة معركة أفراد، بل معركة مملكة كاملة. وقف هيفان فوق بقايا جدار محطم، وقوسه بين يديه. كانت عيناه مثبتتين على الوحش فقط. لم يكن يرى الجنود. ولا النار. ولا حتى الدماء. كل ما كان يراه هو اللحظة التي رفع فيها نايثروكس هرلين من عنقها وكاد ي
الراوي كان نايثروكس يضرب الحاجز السحري مرة بعد أخرى. كل ضربة كانت تجعل الأرض تهتز. والساحرات داخل الدائرة يصرخن من شدة الضغط. بدأت الشقوق تنتشر في الحاجز الأزرق. ولو استمر الأمر دقائق أخرى فقط... فسينهار كل شيء. "أوقفوه!" صرخ ألفريد. فاندفع لوكا أولًا. ذئبه الرمادي الضخم وقفز مباشرة نحو
الراوي ارتفع الجدار السحري الأزرق حول سيلفورد وجيشه كقفص عملاق من الضوء. ولأول مرة منذ بداية المعركة... شعر أهل نورفاي بالأمل. بعض الجنود بدأوا يلتقطون أنفاسهم. ولورين كادت تنهار من شدة الإرهاق بعد إكمال التعويذة. أما ألفريد فثبت سيفه في الأرض وهو يلهث. ثم نظر نحو أخيه. "انتهى الأم