All Chapters of خلف قناع الصمت: Chapter 31 - Chapter 40

69 Chapters

مزاد الظلال

سحبني كرم خلف ظهره وهو يتحرك نحو الرصيف بخطى محسوبة، بينما بقيت عيناه الرماديتان ثابتتين على الزوارق السريعة التي بدأت تقترب من المياه الإقليمية بأنوار خافتة لا تشبه أضواء خفر السواحل المعتادة. لم يكن هناك ذعر في حركاته، بل حساب بارد، وكأنه يعدّ الثواني المتبقية قبل أن يصل الخصم إلى مرمى الرصاص. شعرتُ بقبضته على معصمي تشتد أكثر مع كل ثانية تقترب فيها الزوارق، وكأنه يقيس بإحكامه مدى الخطر القادم من البحر. "البندقيات تحت غطاء الحاويات،" قال بصوت منخفض لإلينا التي ظهرت فجأة من بين الظلال، تحمل حقيبة سوداء صغيرة فتحتها أمامه بحركة واحدة سريعة. "ومن يحاول الاقتراب من رصيفي.. لن يحتاج إلى قارب ليعود." تجمّد الهواء في صدري وأنا أراقب الزورق الأول يتوقف على مسافة أمتار من الرصيف، لينزل منه رجل يرتدي بدلة رمادية أنيقة لا تشبه ملابس المهربين أو رجال رائد المسلحين الذين عرفتهم الليلة الماضية. كان هادئاً بطريقة غريبة، يداه في جيبيه، خطواته بطيئة ومدروسة على الرصيف الخشبي، وكأنه قادم لاجتماع عمل لا لمعركة مسلحة على ميناء معزول في عمق الليل. رائحة عطر باهظ غريب عن المكان وصلت إلينا قبل أن يصل هو،
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

إرث الخطيئة

لم تتحرك قدما كرم من مكانهما حتى اختفى الزورق الأخير في عتمة البحر المفتوح، تاركاً خلفه صمتاً ثقيلاً يشبه ما يسبق العاصفة أكثر مما يشبه الهدوء. شعرتُ بقبضته على معصمي تتراخى ببطء، لا لأنه نسيني، بل لأن عقله انتقل فجأة إلى مكان آخر بعيد عني تماماً — مكان أزعجني غيابه أكثر من حضوره القسري المعتاد. "كرم؟" نطقتُ اسمه بصوت متهدج، أحاول استرجاعه من ذلك الصمت الذي حلّ عليه كقناع جديد لم أره من قبل. التفت إليّ ببطء، وكانت عيناه الرماديتان تحملان شيئاً لم تحملاه طوال الليلة كلها: حسابات سريعة، وغضباً موجَّهاً إلى نفسه لا إليّ. امتدت يده لتستقر تحت ذقني، يرفع وجهي نحوه برفق غريب يكاد يكون رقيقاً، لكن أصابعه ظلت ترتجف بخفة لا تخفى عليّ. "هل تعرفين شيئاً عن شراكة والدك مع شبكة الرماد؟" سألني مباشرة، بلا التواء، بلا الفحيح الناعم المعهود الذي يلفّ به أسئلته القاسية دائماً. "لا.." تمتمتُ، وشعرتُ بالحقيقة تتشقق تحت قدمي كجليد رفيع. "والدي كان رجل أعمال نظيفاً.. كان يرفض حتى الحديث عن السلاح على مائدتنا. هذا الرجل يكذب، أو يحاول زرع الشك بيننا." "أو يقول الحقيقة التي اخترتُ أنا ألّا أراها،" همس
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

الوجه القديم

لم يتحرك كرم عن مكانه وهو يحدّق في الصورة المجمّدة على شاشة إلينا، وكأن الزمن نفسه توقف معه. كانت ملامح الرجل في اللقطة غامضة جزئياً، مختفية خلف نظارة شمسية وقبعة منخفضة، لكن انحناءة الفك وشكل الأذن كانا كافيين، على ما يبدو، لإعادة اسم محفور في ذاكرته منذ سنوات. "ياسين،" تمتم كرم بصوت لم أعرفه — لم يكن صوت سيد القصر، بل صوت رجل يستحضر شبحاً ظنّ أنه دفنه إلى الأبد. "ياسين العبيدي. كان أحد أقرب رجالي قبل أن يحاول سرقة شحنة من تحت يدي ويهرب بها إلى أوروبا. أعدمتُه رمزياً في كل دائرة أعرفها.. ظننتُ أنه مات في طريق هروبه، أو على الأقل أنه لن يجرؤ على العودة إلى نصف الكرة الذي أحكمه." "يبدو أنه عاد، سيدي، وبحلفاء جدد،" قالت إلينا بنبرة حذرة، وهي تسحب الجهاز اللوحي مرة أخرى. "وإن كان قد عمل مع الرجل ذو البدلة الرمادية الليلة، فهذا يعني أن من فوق رائد لديه معرفة دقيقة بكل ثغرة قديمة في تنظيمك، حتى الثغرات التي ظننتَ أنك أغلقتها منذ زمن." شعرتُ بقبضة كرم على معصمي تشتد بلا وعي منه، وكأن جسده يحاول التماسك أمام هذا الكشف بطريقة أعجزه ذهنه عن إدارتها بالبرود المعتاد. أدركتُ، رغم كل ما بيننا م
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

ندبة محفورة

أغلقتُ كفّي حول الصليب الفضي الصغير بسرعة، ودسستُه في طوق ثوبي الممزق قبل أن تلتقي عينا كرم بحركتي. لم أكن أعرف بعد ماذا يعني وجود حروف اسم والدي محفورة على معدن سقط من عنق أحد رجال هذا الميناء المظلم، لكن غريزتي همست لي أن أحتفظ بهذا السر لنفسي، أقلّه حتى أفهم بنفسي طرفاً واحداً من الخيط قبل أن يسحبه كرم بأكمله بعيداً عن متناولي. استقررنا في مقصورة السيارة المصفحة وهي تشق طريقها العائد نحو البرج، وكان الصمت بيننا هذه المرة مختلفاً عن كل أنواع الصمت السابقة — لم يكن صمت التهديد، بل صمت رجل يفكّر بصوت داخلي عالٍ لا أستطيع سماعه. سحب كرم من حقيبته الجلدية بعض الدفاتر التي أخذها من الصندوق الخشبي قبل مغادرة الميناء، ووضعها على ركبتيّ دون كلمة، إشارة صامتة إلى أن العمل لم ينتهِ مهما طال الليل. فتحتُ الصفحات بأصابع متعبة، أحاول إيجاد نظام في الأرقام والرموز المتكررة، حتى استقرت عيناي على صفحة قديمة الحبر، مختلفة الخط عن باقي السجلات. كان تاريخها يعود إلى أكثر من ثماني سنوات، وفي أسفلها ختم شركة لم أعرفه في البداية، لكن الشكل الهندسي البسيط — حرف الغين متشابكاً مع خط مستقيم — أعادني فجأة
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

الورقة الأولى

انقبضت أصابع كرم حول هاتفه بسرعة وهو يطلب من إلينا تفعيل كل كاميرات الطابق الخمسين فوراً، بينما كانت السيارة المصفحة تنعطف بقوة نحو الطريق المؤدي إلى البرج. لم يكن هناك ذعر في صوته، بل ذلك البرود المعدني المعتاد الذي يتحوّل، في لحظات كهذه، إلى أداة قتل صامتة أكثر فعالية من أي مسدس. "الكاميرات تُظهر شخصاً واحداً، سيدي، يتحرك بثبات نحو غرفة الخادم الرئيسية.. نفس الغرفة التي زُرع فيها الجهاز الذي اخترق شاشتنا قبل ساعات،" قالت إلينا بصوت متقطع عبر مكبر الصوت، وكان توترها هذه المرة حقيقياً لا مجرد احترافية مصطنعة. "لا أستطيع تحديد هويته بدقة، الكاميرا تغطي نصف وجهه فقط." شعرتُ بكرم يتصلب بجانبي بالكامل، وكأن كل خلية في جسده تتحضر لمعركة جديدة قبل أن نصل حتى. كان هذا الإيقاع المتلاحق من الكشوفات — ياسين، والدي، الجهاز المزروع، وهذا الدخيل الجديد — يضغط على صدري حتى شعرتُ أن أنفاسي لن تكفيني للوصول إلى البرج. "أوقفي المصاعد عن ذلك الطابق فوراً، واحبسيه بين الجدران حتى أصل،" أمر كرم بحدة، ثم أغلق الخط وأرسل نظرة سريعة نحوي، نظرة تحمل ذلك القلق الذي بدأ يتسرب إليه رغماً عنه منذ كشف الميناء.
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

إشارة الموتى

تجمّد جسدي بالكامل وأنا أحدّق في الصليب الفضي الصغير الملقى فوق قلب رائد المتوقف، يتطابق بدقة مرعبة مع الصليب الذي أخفيته في طوق ثوبي منذ ساعة واحدة فقط. لم يكن الأمر صدفة بعد الآن؛ كان رسالة، موجَّهة بعناية، تركها شخص يعرف بالضبط أين سيقف كرم في هذه اللحظة بالذات. اقترب كرم من الجثة بخطى حذرة، يدرس الصليب دون أن يلمسه، وكانت عيناه الرماديتان تتحركان بسرعة بين الرمز الفضي والمخرج السري الذي غادر منه الدخيل، كحاسوب يعيد ترتيب كل المعطيات المتراكمة منذ بداية الليل. "هذا ليس تهديداً عشوائياً،" قال أخيراً بصوت منخفض، وكأنه يخاطب نفسه أكثر مما يخاطبني. "هذا توقيع. شخص يريدني أن أعرف أنه كان هنا، وأنه يستطيع الوصول إلى أعمق نقاط ضعفي دون أن يتركني حتى فرصة لرؤيته." شعرتُ بيدي تتحرك تلقائياً نحو طوق ثوبي، حيث استقر الصليب الأول مخفياً منذ الميناء، وتساءلتُ للمرة الألف إن كان عليّ أن أكشف عن سري الصغير الآن، في هذه اللحظة بالذات التي يبدو فيها كل شيء متصلاً بكل شيء آخر بطريقة تتجاوز قدرتي على الفهم. "كرم.." بدأتُ، وصوتي يرتجف بين الخوف والحاجة الملحة لمشاركته ما أعرفه. "وجدتُ صليباً مماثل
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

أخ من الرماد

لم تتحرك عضلة واحدة في وجه كرم لثوانٍ طويلة، وكأن الجملة التي قالتها إلينا عبر الهاتف احتاجت وقتاً لتشق طريقها عبر جدار من الإنكار بناه بنفسه طوال عشر سنوات كاملة. ثم، ولأول مرة منذ عرفته، رأيتُ يده — تلك اليد التي لم ترتجف أمام رصاص أو غاز أو انفجار — تفقد ثباتها بالكامل، ليسقط الصليب الفضي من بين أصابعه ويرتطم بالرخام بصوت معدني خافت بدا أعلى من أي طلقة سمعتها الليلة. "هذا مستحيل،" قال بصوت لم أعرفه فيه من قبل، خشن، متصدّع، بلا أي من برودته المعتادة. "دفنتُ نعشاً بيدي يا شام. وقفتُ على قبره. لا أحد يعود من رماد بهذه البساطة." "إلا إذا كان الرماد نفسه كذبة دُفنت معه عمداً،" تمتمتُ، أكثر لنفسي مني له، وشعرتُ بثقل المفارقة يجثم على صدري: نفس الجملة التي تنطبق على عائلتي تماماً تنطبق الآن على عائلته. تحرك كرم بسرعة مفاجئة نحو المصعد، ساحباً إياي معه بقوة لم تشبه قسره المعتاد، بل شيئاً أقرب إلى الحاجة الغريزية لئلا يواجه هذا الشبح وحيداً. كانت أنفاسه تتسارع بطريقة لم أشهدها فيه قبلاً، وشعرتُ بكفّه حول معصمي يعتصر بقوة، لا تهديداً، بل تماساً يبحث فيه عن تماسك يكاد يفقده. نزلنا في صمت
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

وجه من الماضي

تجمّد الزمن في البهو الرخامي وأنا أحدّق في وجه المرأة الواقفة في الظل، أبحث في ملامحها عن أي تفصيل يكذّب ما توحي به النظرة الأولى، لكن كل خط في وجهها — انحناءة الحاجب، شكل الشفتين، حتى طريقة إمالة الرأس قليلاً نحو اليسار — كان يطابق الصورة المعلّقة في ذاكرتي بدقة مرعبة. شعرتُ بساقيّ تخونانني، وتراجعتُ خطوة بلا وعي حتى ارتطم ظهري بصدر كرم الذي لم يتحرك من مكانه، وكأنه أيضاً يحتاج إلى لحظة ليستوعب أن المشهد أمامه تجاوز كل حساباته الباردة. "هذا مستحيل،" تمتمتُ بصوت متهدج بالكامل، وشعرتُ بدموع لم أستطع كبحها تنهمر بلا إذن. "أمي ماتت. أخبروني أنها ماتت قبل أن أبلغ الخامسة. حضرتُ قبرها بنفسي.. زرتُه عشرات المرات قبل أن أهرب من دمشق." "القبور الفارغة تصنع حكايات مريحة، أليس كذلك يا حبيبتي؟" قالت المرأة بصوت هادئ، حنون بطريقة مرعبة لا تشبه أي حنان طبيعي، وهي تخطو خطوة أخرى نحو الضوء، فبدت ملامحها أكثر وضوحاً، وأكثر شبهاً بي مما كنتُ مستعدة لتقبّله. "نفس الجملة التي قالها رجل الميناء عن والدكِ يا شام، تنطبق عليّ أيضاً. لم أمت. اخترتُ أن أختفي، لأسباب لم تكن لكِ علاقة بها، ولن تفهميها الآن به
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

ظلال من السماء

انغلقت يد كرم حول خصري بسرعة خاطفة وسط العتمة المفاجئة، يدفع بجسدي نحو الأرض خلف أحد الأعمدة الرخامية الضخمة في البهو، بينما كان صوت الطائرة يقترب أكثر، خافضاً ارتفاعه بطريقة لا تنتمي إلى أي طيران تجاري معتاد فوق سماء دبي المزدحمة بالقوانين. سمعتُ صراخ الحراس يتقاطع مع أصوات أوامر متلاحقة، وشعرتُ بقلب كرم يدق بقوة تحت كفّي المستندة على صدره، أسرع من أي وقت سابق، وكأن هذا التهديد الجوي المفاجئ لمسه بطريقة لم تلمسه كل المعارك الأرضية الليلة. "هذه ليست طائرة هجوم،" همس كرم بسرعة، أكثر لنفسه مما لي، وهو يراقب الوميض الأحمر الخافت المنبعث من جسم الطائرة عبر الزجاج المحطم جزئياً. "لا صوت رصاص، لا قنابل.. إنها تصوّر فقط." وبالفعل، بعد ثوانٍ معدودة، ارتفعت الطائرة بسرعة وابتعدت نحو الأفق المضيء، تاركة خلفها صمتاً مرتبكاً يخالطه حذر الجميع. أعاد أحد الحراس التيار الكهربائي جزئياً، وعادت الأضواء الخافتة لتكشف أن المرأة التي أعلنت أنها أمي قد اختفت، تماماً كأخ كرم، وكأن ظهورهما لم يكن سوى مقدمة محسوبة لشيء أكبر لم يحن وقته بعد. "رحلوا،" قلتُ بصوت متهدج، أحاول استيعاب أن أعنف اعتراف عائلي سمعت
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more

نداء الدم

ارتجفت يدي وأنا أقرأ الرسالة على شاشة هاتف كرم مرة ثانية، كأن إعادة القراءة قد تغيّر معناها القاتل. شعرتُ بالغرفة تضيق من حولي، وبصوت أخي يوسف — الذي لم أسمعه منذ سنوات طويلة، منذ كان صوتاً طفولياً يناديني من فوق سطح منزلنا في دمشق — يتردد في ذهني وكأنه يستنجد بي عبر المسافات والزمن معاً. "لن تذهبي،" قال كرم بحدة، قافلاً الهاتف بحركة عنيفة وضعه على الطاولة بقوة كادت تكسرها. "هذا فخ بدائي يا شام، مصمم بدقة ليجرّكِ خارج حمايتي. من يقف خلف هذه الرسالة يعرف بالضبط أن قلبكِ سينساق فوراً نحو اسم أخيكِ، بلا تفكير، بلا حساب." "وماذا تريد مني، أن أتركه يموت قبل الفجر لأنك تخشى أن يكون فخاً؟" هتفتُ، وشعرتُ بدموع غضب حارة تتجمع في عيني، مزيج من الخوف على يوسف والاستياء من قسوة منطقه البارد في لحظة كهذه. "أنتَ من علّمتني الليلة أن أتفاوض وأطلب ما أريد. حسناً، أنا أطلب الآن أن أذهب، ولو وحدي." نهض كرم بسرعة، ووقف أمامي بكامل ضخامته، لكن للمرة الأولى لم تحمل وقفته تهديداً أو محاصرة، بل توسلاً مقنّعاً بصلابة لا يعرف كيف يظهرها بشكل آخر. "إذا ذهبتِ وحدكِ، فأنا أخسر كل شيء حاربتُ من أجله الليلة كله
last updateLast Updated : 2026-06-28
Read more
PREV
1234567
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status