登入
ربما تحمستْ قليلاً عندما قررت الانتقام.. ربما أرادت ردّ اعتبارها وحسب. وأخيراً، من بين كل الأزقة الضيقة التي حُشرت فيها طوال حياتها، قررت أن تسير في طريق تملكه هي.. وليتها لم تفعل. كل شيء بدأ بلحظة غضب، اندفاع أعمى كان ثمنه غالياً جداً، وكانت هي وحدهـا من دفعت الفاتورة كاملة.
الظلام يبتلع كل شيء، باستثناء بقع صفراء باهتة تطردها أعمدة الإنارة لتسقط فوق أطراف الطريق الأسفلتي. في ذلك المدى الموحش، كان هناك خيالان يتحركان بخطى وئيدة، أحدهما يرتفع عن الآخر ببضعة سنتيمترات. الهواء البارد يلتف حولهما بشراسة، يداعب فساتينهما الطويلة، وينبش خصلات الشعر المنسدلة؛ إحداهما يطير شعرها الطويل خلفها كوشاح أسود، والأخرى بالكاد يلامس شعرها حدود كتفيها. كانت الخطوات ثقيلة ومضنية. كعوبهما العالية تغوص بعناد في الرمال المحاذية للرصيف. رفعت لمار قدمها بانزعاج طغى على ملامحها التي تكفل الظلام بإخفاء تفاصيلها، ولم يبرز منها سوى لمعة عينيها تحت الضوء الخافت المتسلل من بعيد. تنهدت شقيقتها ليلى، ورفعت رأسها لتثبت بصرها على لمار. أنفاسها المتقطعة كانت تصارع الريح. سألت بنبرة مثقلة برطوبة الحزن: "لمار.. والآن.. هل انتهى كل شيء حقاً؟" ابتسمت لمار بمرارة، وعيناها معلقتان بالشارع المضاء الذي بدأ يقترب: "ربما لا يجب أن أتهاون في شؤون العمل بعد الآن." هزت ليلى رأسها برفض قاطع، وهي تحث خطاها لتلاحق شقيقتها: "لا أقصد العمل يا لمار! أنتِ تعلمين جيداً.. أقصد، لماذا فعلتِ كل هذا؟" توقفت لمار لثانية واحدة. التقت عيناها بملامح أختها القلقة التي بدأت تتضح ملامحها أكثر فأكثر تحت أضواء الشارع. حكّت شعرها بتعب وإنهاك، ثم تابعت سيرها قائلة: "ألم أخبركِ بالأسباب بالفعل؟" ردت ليلى بهدوء صارم لا يلين: "لا.. لم تكن تلك الأسباب الحقيقية." أطلقت لمار ضحكة خافتة مخنوقة وهي تصعد المرتفع الرملي المؤدي للأسفلت بصعوبة: "أردتُ أن أرى وجوههم الحقيقية.. ليس إلا." تنهدت ليلى، وانحنت فجأة تستند بيديها على ركبتيها لتلتقط أنفاسها الهاربة بعدما وصلتا أخيراً إلى حافة الطريق العام. قالت وصوتها يتهدج: "أعرف أن ما مررتِ به في الماضي جعل ثقتكِ بالآخرين مستحيلة.." ثم وقفت باستقامة، وتطلعت في وجه شقيقتها مباشرة وتابعت: "أنتِ بالكاد تثقين بي أنا.. ونحن معاً منذ أكثر من سبعة عشر عاماً! هل تريدين إقناعي بأنكِ وثقتِ بهم وأنتِ لم تدخلي عائلتهم إلا منذ عام واحد؟" أمسكت لمار كف أختها، وحاولت جرّها لتواصلا السير: "دعينا نعبر إلى الطرف الآخر من الشارع، الإضاءة هناك أفضل." لكن ليلى أفلتت يدها باحتجاج صامت. خطت خطوتين ووقفت في منتصف الشارع تماماً، معترضة طريق لمار. تكتفت بيدين مرتجفتين، وحملت ملامحها توسلاً دافئاً يستعطف قلب شقيقتها القاسي: "ألن تخبريني بالسبب؟ لا أصدق أن كل هذا لأجل الخيانة.. يمان كان يخونكِ منذ اليوم الأول، وأنتِ لم تحركي ساكناً طوال هذا الوقت!" تصلّب جسد لمار كأن رصاصة أصابت ظهرها. توقفت تماماً، وحدقت في ليلى بعينين تشتعلان بشرر، وهي تصر على أسنانها بغضب مكتوم كاد يفجر عروق عنقها: "ستبقين واقفة هناك؟ هل غيرتِ رأيكِ وقررتِ الوقوف في صفهم ضدي؟" ردت ليلى بنبرة صادقة وخائفة: "لمار.. أنتِ تعلمين جيداً لمَ أقف هنا، ومع من أقف." ببرود جارح، أدارت لمار ظهرها ومضت: "إذاً ابقي مكانكِ.. وانتظريهم حتى يأتوا ويأخذوكِ معهم." صرخت ليلى، والدموع تخنق حنجرتها، فبدت الكلمات مكسورة: "لمار! لا تفتعلي شجاراً لمجرد أنكِ لا تريدين سحبي معكِ! أعرف أنكِ قلقة أكثر مني، ومتأكدة أنكِ تعلمين أنني سأكون معكِ ولو تخلى العالم كله عنكِ.. لكنني أحتاج لفهم السبب! ما الذي جعلكِ تقدمين على خطوة مجنونة كهذه دون أن تبالي بمصيركِ؟ هل أنا مخطئة لأنني أخاف عليكِ؟" هنا.. انفتح بركان السنوات المكبوت. التفتت لمار، وصرخت بكل الألم والحطام الذي خبأته في صدرها لدهور: "ولماذا أبالي بمصيري؟! لقد دمر أحلامي! جعلني أستيقظ على واقع أقسى من كل ما قاسيته في حياتي كلها.. ألا يكفي هذا ليحترق كل شيء؟!" تقدمت ليلى منها بخطوات بطيئة، حذرة، كمن يقترب من قنبلة موشكة على الانفجار: "ماذا فعل؟ أخبريني.. أنتِ بحاجة لإخراج هذا السم من قلبكِ.. لمار.. دعيني أكون مستودع سركِ، دعيني أتحمل عنكِ." ثقلت خطوات لمار، وأطبقت جفنيها بقوة تحاول حبس بكاء حارق كسر كل حصونها الدفاعية. لاحظت ليلى اهتزاز كتفي شقيقتها، فتابعت بصوت منخفض حنون: "يمكنكِ قولها يا لمار.. قولي أي شيء، لن ألومكِ، لن أدينكِ، ولن أتحدث عنها أبداً." خرج صوت لمار مهزوزاً، واهناً، كأنه ينبعث من بين ركام روح منسية: "خيانته.. تسببت في عقمي." تجمد الدم في عروق ليلى. اتسعت عيناها بذهول شلّ أطرافها، بينما تابعت لمار وهي تبتلع شهقاتها الممزوجة بالدموع: "ذهبتُ إلى بيته ذلك اليوم.. كنتُ أريد مفاجأته، أردتُ أن أخبره أنني سأمنحه فرصة ثانية لنبدأ من جديد. لكن المفاجأة كانت لي.. دخل ومعه امرأة أخرى. لم أجد نفسي إلا وأنا أختبئ خلف الأريكة، أكتم أنفاسي وأبكي بلا صوت كي لا يلاحظوا وجودي! تخيلي القسوة.. أختبئ من امرأة غريبة في منزلي!" رفعت رأسها نحو السماء المظلمة، تستنشق الهواء بصعوبة كأنها تختنق: "ومن شدة الصدمة والخوف.. سقطتُ أرضاً.. وأجهضتُ طفلي.. طفلي الذي لم أكن أعلم بوجوده أصلاً." انفرجت شفتا ليلى بصدمة يعجز عقلها عن استيعابها: "ماذا؟!" ضحكت لمار بانهيار تام، والدموع تغرق وجهها: "ولأن الإجهاض حدث في حملي الأول، ولأنني بقيتُ أنزف وحيدة.. تسبب لي بمشكلات صحية مزمنة.. تمنعني من الحمل مجدداً.. إلى الأبد." قطبت ليلى حاجبيها، والألم يعتصر ملامحها، بينما التفتت إليها لمار بعينين تشتعلان بالانتقام: "لم أعد أستطيع الإنجاب.. هل هذا سبب كافٍ لأذيقه من نفس العذاب الذي أذاقني إياه؟" سألت ليلى بصوت خافت مرتعش: "هل يعلم يمان عن الطفل؟" انفجرت لمار بغضب أعمى: "لا يستحق أن يعرف! إنه لا يهتم لأي شيء.. لذا لا يستحق.. أبداً." حاولت ليلى التقدم خطوة أخرى لمواساتها: "لمار.." لكن لمار رفعت يدها بحسم، تمنعها من الاقتراب، والكلمات تخرج بصعوبة من بين لوعتها: "لا تقتربي.. لا أريدكِ معي.. اذهبي إليهم." ثم استدارت لتمضي وهي تتمتم بصوت خفيض لم يسمعه أحد غيرها: "بقاؤكِ معي سيؤذيكِ.. لذا لا تأتي". جمعت ليلى أطراف فستانها بيدها، وبدأت تركض خلفها وهي تصرخ باكيّة: "لمار توقفي! لا تتركيني هنا.. أرجوكِ، أنا أخاف من الظلام!" كانت تستعطفها بنبرة طفولية خائفة.. ولكن، في تلك اللحظة الملعونة، توهج وجه ليلى فجأة بضوء أبيض كاسح. شعاع قوي وقادم بسرعة جنونية من اللامكان. رفعت ليلى يدها تحجب الضوء الصاعق، ووقفت مشلولة تماماً.. ثم انطلق صراخها الممزق للقلوب.ما إن دخلت الحمام وأغلقت الباب، حتى تناهت إليها أصوات خطوات يمان وهي تبتعد فوق السجاد، تلاها صفير الباب الخارجي يعلن خروجه من الغرفة.في تلك اللحظة بالذات، انكفأت على ركبتيها وسقطت على الأرضية الكتيمة، لتنفجر نوبة بكاء جديدة هزت أضلاعها بعنف. كتمت فمها بكفها وهي تشهق باختناق، وتتساءل بصوت متقطع:"يقولون إن البكاء يغسل الألم.. فلماذا يزداد هذا الحريق ضراوة كلما انهمرت دموعي؟!"طوّقت ساقيها ببراعيها، ودفنت رأسها بين ركبتيها تترك للشهقات أن تعصف بجسدها المنهك.بعد برهة، رفعت رأسها، ومسحت وجهها بظهر كمها. واجهت انعكاسها في المرآة؛ كانت حدقتاها محتقنتين بحمرة قانئة، ووجنتاها متورمتين بشدة.عدّلت أزرار كنزتها الصوفية السوداء، وسرّحت خصلات شعرها المتناثرة بأصابع مرتجفة، ثم فتحت الصنبور ووضعت كفيها تحت الماء المنسكب، لتغسل وجهها بالماء البارد علّه يطفئ وهج التورم.نزلت السلم بخطوات متثاقلة متجهة نحو المائدة الضخمة حيث يجلس الجميع.ما إن أطلّت في أطراف القاعة، حتى تهللت وجوه الجالسين. رفع يمان رأسه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة طفيفة، ثم مدّ يده وأزاح المقعد الخشبي المبطن المجاور له بمهل لتجلس عل
استمرت لمار في انتحابها حتى جفت دموعها، وساد الغرفة سكون تام. غطت في نوم عميق وهي ممددة على البلاط البارد، غير أبهة بالقسوة التي تسري في جسدها، وعيناها متورمتان وممتلئتان بالحمرة.استيقظت فجأة على صوت مقبض الباب وهو يتحرك بحذر، محاولاً دفع جسدها المستلقي خلفه. انتفضت واقفت بتهيج، وابتعدت خطوات إلى الخلف تتفحص قادماً بقلق.أطلّ يمان. كان يرتدي هيئته الهادئة، وبدلته الأنيقة الخالية من أي أثر، وكأن حادثة الممر لم تقع قط. لكن صدر لمار كان يضيق بالهواء، وشعرت بوخز حاد في كفيها المجروحتين، بينما عادت صورة الشفقة في أعين الجميع لتعتصر أحشاءها.أدار يمان عينيه في الغرفة حتى استقرا عليها. أطدأت لمار رأسها فوراً، واستدارت تعطي ظهرها له، مبتعدة خطوتين نحو النافذة.قال يمان بنبرة خفيضة:"لمار."لم تتحرك ولم تتفوه بحرف.سُمِع صوت خطواته وهي تتقدم فوق السجاد. قال بنبرة أكثر دعة:"لمار."أغمضت عينيها المرتعشتين، وعصرت قبضتيها بقوة حتى انغرست أظافرها في راحتها المجروحة لتمنع نوبة بكاء جديدة من الانفجار.اقتربت خطواته أكثر، حتى أصبح خلفها مباشرة، ثم انبعث صوته المتردد:"لمار.. لم أكن أقصد ذلك، فقدتُ ا
جاءها النداء هادئاً ومواسياً: "لمار..." شددت لمار على الهاتف حتى ابيضت مفصل أصابعها، وقالت بصوت متهدج: "لماذا أكون دائماً الحجر الثقيل الذي يرغب الجميع في إزاحته عن طريقهم؟ أردتُ أن أجد مكاناً في قلبه.. لكنه صلب كالبقية." ردت ليلى برقة عارمة: "أنا أحبكِ." ارتسمت على شفتي لمار انحناءة مريرة: "نعم.. أنتِ هنا. لولا وجودكِ لكان جسدي تحت التراب منذ زمن.. أنتِ منفذي الوحيد." أنهت المكالمة فجأة، وسقطت يدها على الأرضية الصلبة لتهوي بجوارها الحقيبة. دفنت وجهها بين ركبتيها، وانطلقت منها شهقات متتابعة هزت كتفيها بعنف. ارتفع صوت بكائها في أرجاء الغرفة المغلقة، يرافقه نوبات سعال متكررة جراء احتباس أنفاسها. كانت تمسح سيل أنفها بكم قميصها، وتغرق في موجة من انتحابٍ حاد يسحب كل ذرة طاقة من جسدها. صدح صوت طرقات متزنة على الباب الخشبي لمكتب يمان. رفع رأسه عن الأوراق المكدسة أمامه، وأصدر أمراً جافاً بالدخول. أطلّ زياد من العتبة. كانت ملامحه ممتقعة وثابتة، غير أن أوردة عنقه كانت بارزة كحبال مشدودة، وقبضتاه ينقبضان عند جانبيه كمن يمتنع بالقوة عن توجيه ضربة خاطفة نحو الوجه المائل ببرود أمامه. كان
تسمّر زياد مكانه، وانعقد لسانه من هول الصدمة. أما يمان، فما إن أدرك ما جرى حتى انحنى بظهره هلعاً إلى الخلف، ممدداً ذراعيه للأمام بابتلاع مقرف وعينين جاحظتين متسعتين، وصرخ باختناق وقرف هائل وهو يشير إلى بدلته الجديدة المدمرة: "مجنونةةة! ماذا فعلتِ بحق الجحيم؟!" سعلت لمار بعنف من أثر الاستفراغ، ثم رفعت يدها تمسح فمها براحة بالغة. رفعت بصرها نحو يمان المتقزز والمنزعج، الواقف بملامح مقطبة بانتظار عقابها. تقدمت نحوه ببرود مستفز، وأخرجت من حقيبتها منديلاً ورقياً تحاول العبث بمسح الثياب الملطخة قائلة: "أنتَ من منعني من الوصول إلى الحمام في الوقت المناسب." صاح بغضب هادر يشير بيده لنفسه: "يعني أنا المخطئ الآن بحق السماء؟!" ردت بلا مبالاة تتابع المسح: "بالتأكيد." دفعها بقوة عارمة بعيداً عنه، وعيناه تشتعلان بحلكة مرعبة، صارخاً بتهديد: "إياكِ أن تقتربي مني مرة أخرى!" أفلتت قدمها وسقطت أرضاً بقوة على أثر دفعته القاسية. قطبت حاجبيها متألمة وهي تتحسس كفها المجروح ومؤخرتها التي اصطدمت بالأرض بقسوة. وانطلق زياد فزعاً لنجدتها. انحنى زياد بكامل ثقله فوقها، وانقبضت ملامح وجهه و
رمقته لمار بنظرة طويلة ومتأملة قبل أن تستقر في مقعدها الوثير.التف زياد لمقعد السائق، ربط حزام الأمان، وأدار المحرك بانسيابية، ثم التفت متسائلاً:"سيدتي، هل ترغبين في التوجه مباشرة إلى القصر، أم هناك محطة أخرى تريدين قضاءها؟"أومأت بالنفي وهي تضع يدها برفق لتحك رأسها بتعب:"رجاءً.. إلى المنزل مباشرة."نظر زياد إليها عبر المرآة الأمامية بقلق:"هل حدث شيء؟"قوّست شفتيها بخمول بعد أن أطلقت زفرة طويلة:"لا شيء.. مجرد الروتين المعتاد."وبعد صمت طويل ساد المقصورة، قال زياد بنبرة جادة وهو يلاحظ استسلامها للنوم:"هل تعانين من مرض ما؟"صدمها سؤاله المفاجئ، ففتحت عينيها باتساع وأجابت بصوت مرتبك:"لِـ.. لماذا تسأل هذا؟!"قال مبرراً بحذر لتجنب التطفل:"أعتذر إن بدا سؤالي تدخلاً، لكن رغبتكِ العارمة في النوم وطريقتكِ في الاستغراق فيه طوال الطريق، لفتت انتباهي.. حتى حين نصل تبقين نائمة إن لم نوقظكِ. لاحظت ذلك طوال الأيام الماضية."ابتسمت لمار براحة خفية في صدرها وقالت:"لا، صحتي على ما يرام تماماً، لكني ببساطة لم أعتد على السيارات." ثم أردفت بضحكة خفيفة: "واجهت هذه المشكلة قديماً حين سُرق هاتفي وأن
قالت سارة بقلق بالغ ونبرة متسائلة ترتجف:"وماذا حدث بعدها؟! وكيف تم إنقاذك ؟ أو كيف انتهى بكِ الأمر متزوجة بهذه السرعة؟! أخبرينا بالتفاصيل، رجاءً!"انخرطت لمار في سرد الخطوط العريضة لما جرى معها طوال الشهر الماضي، حريصة على انتقاء كلماتها بدقة؛ فتحدثت بنبرة تتناسب مع صديقاتها دون الدخول في تفاصيل قد تخدش حياءها، ومخفية تماماً حقيقة الخلافات الحادة وبشاعة العلاقة التي تجمعها بيمان، أو ذلك التناقض المعقد الذي يعيشانه داخل جدران القصر.وفي ذات اللحظة، كان يمان في مكتبه الفخم، يدقق في الملفات والتقارير التي تراكمت كالجبال بسبب انشغاله القسري بزفافه، مترنحاً بين الانشغال بالعمل ومحاولة إزعاج لمار بين الحين والآخر.كان المكتب يعج برائحة الأوراق المكدسة، وعبق دخان سيجارة موضوعة على منفضة بلورية بجواره، متداخلة مع نفحات عطر نسائي فواخر.وقفت قمر بقربه، تقلّب بأسلوب مدروس صفحات الملف الذي كان يدرسه بعناية. وكعادتها، كانت متألقة حتى حد الكمال، ترتدي فستاناً أحمر يقطع نَفَس الغرفة. كانت ترمش بطرف عينيها متلصصة نحو ذلك الشيء اللامع في إصبعه.. الخاتم الذي لم يكن يرتديه حين أتاها يوم زفافه. وبينما