登入من وجهة نظر لايرس.
بعد العشاء، اجتمع الجميع داخل الصالة الصغيرة لمنزل ميريل. كانت الأجواء مريحة على نحو لم أتوقعه أبدًا. نيرو كان يجلس بجوار ثيا التي ما زالت تخجل كلما نظر إليها، بينما كانت ميريل تتحدث بحماس عن أنواع الزهور التي ستزرعها إن انتقلت إلى القصر. وضعت فنجان الشاي على الطاولة قبل أن أقول بهدوء: "بما أن أفيني لا تستطيع البقاء بعيدة عن نيرو لفترة طويلة، فقد اتخذت قرارًا." التفت الجميع نحوي باهتمام. "أريد أن ينتقل نيرو وثيا والسيدة ميريل إلى قصر نايت فورد." ساد الصمت للحظات داخل الغرفة. "ماذا؟!" قالها الثلاثة في الوقت نفسه. أكملت بهدوء: "هناك العديد من المنازل داخل القصر، وسيكون نيرو بالقرب من أفيني، كما أن ثيا ستتمكن من التعرف على المملكة بهدوء." أما ميريل، فقد بدت وكأنها على وشك الإغماء. "أنا؟! داخل قصر ملك اليكان؟! هل يجب أن أتعلم طريقة الانحناء أمام النبلاء؟!" ضحك الجميع على تعبيراتها المذعورة، بينما ابتسم نيرو وقال: "أعتقد أن الأمر سيكون ممتعًا." أما ثيا، فقد نظرت إلى نيرو بخجل قبل أن تبتسم موافقة. وفي النهاية، وافق الجميع على الانتقال بعد عدة أيام. --- حل الليل أخيرًا، وبعد يوم طويل من الضحك والحديث، عدت إلى الغرفة التي أشاركها مع أفيني. كنت أجلس على الأريكة أتحدث مع بلاك داخل عقلي. "هل لاحظت؟ أصبح لدينا عائلة كبيرة." قال بلاك بضحكة خافتة. وقبل أن أجيبه، سمعنا صوت باب الحمام يُفتح. رفعت رأسي نحو الباب. خرجت أفيني وهي تجفف شعرها الأسود الطويل بمنشفة صغيرة. كانت ترتدي أحد فساتين ثيا البسيطة ذات اللون الأزرق الفاتح، وقد بدا عليها الإرهاق اللطيف بعد يوم طويل. ساد الصمت للحظات. "إنها خطر متحرك." تمتم بلاك وهو يضحك. "كيف لشخص واحد أن يبدو بهذه اللطافة دون أن يحاول؟" ابتسمت بخفة قبل أن أنهض من مكاني وأقترب منها. لففت ذراعي حول خصرها من الخلف وهمست: "لقد انتهيتِ أخيرًا." ابتسمت وهي تنظر إلي. "كنت أتحدث مع ثيا قليلًا." أخذت المنشفة من يدها وأجلستها أمام المرآة بهدوء. بدأت أجفف شعرها الطويل بحركات لطيفة بينما كانت تنظر إلى انعكاسنا داخل المرآة مبتسمة. "تعلم، ما زلت أعتقد أنني أحلم أحيانًا." قالتها بصوت هادئ. "بماذا؟" "بكل شيء." أشارت نحوي مبتسمة. "أنا، وأنت، ونيرو، وثيا، وحتى ميريل." ابتسمت وأنا أرتب خصلات شعرها خلف أذنها. "وأنا أيضًا." بعد أن انتهيت من تجفيف شعرها، حملتها بين ذراعي بسهولة كما اعتدت مؤخرًا، لتضحك بخفة وهي تقول: "ما زلت أستطيع المشي." "وأنا ما زلت أفضل حملك." وضعتها فوق السرير برفق قبل أن أستلقي بجوارها. استندت برأسها فوق صدري بينما بدأت أمرر أصابعي بين خصلات شعرها الأسود بهدوء. "بماذا تفكر؟" سألتني وهي تكاد تغلق عينيها. "أفكر أن حياتي أصبحت أكثر هدوءًا منذ أن دخلتِ إليها." ابتسمت بخجل وهي تهمس: "وأنا أيضًا." بدأ حديثنا ينتقل من خطط العودة إلى القصر، إلى حديثنا عن طفولتنا وأحلامنا الصغيرة التي لم تتحقق بعد. ومع مرور الوقت، أصبح صوتها أكثر هدوءًا حتى شعرت بأنفاسها المنتظمة تخبرني بأنها نامت أخيرًا. نظرت إلى وجهها النائم للحظات طويلة قبل أن أبتسم بهدوء. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، شعرت أنني لا أرغب في أي شيء آخر سوى أن أستيقظ كل صباح وأجدها نائمة بجانبي. وهذا وحده كان أكثر من كافٍ بالنسبة لي. .... في تلك الليلة، وبعد أن تأكدت أن أفيني قد غرقت في نومٍ عميق، بقيت أحدق في ملامحها الهادئة لبعض الوقت قبل أن أتنهد بخفة. "أتعلم؟" قال بلاك فجأة داخل عقلي. "همم؟" "عندما كنت صغيرًا وقررت ختمي داخل جسدك، كنت أعتقد أننا سنعيش حياتنا كلها في القتال وإدارة المملكة." ابتسمت بخفة وأنا أمرر أصابعي بين خصلات شعر أفيني. "وأنا أيضًا." ضحك بلاك وقال بسخرية: "لكن انظر إلينا الآن! ملك اليكان العظيم يجلس طوال الليل يراقب كيف تتنفس رفيقته أثناء نومها!" "هذا ليس غريبًا." "بل مخيف قليلًا." أطلقت ضحكة خافتة وأنا أهز رأسي. "هل ندمت؟" ساد الصمت للحظات قبل أن يجيب بلاك بصوت هادئ على غير عادته: "أبدًا." رفع صوته قليلًا وأضاف: "في الحقيقة، أعتقد أن إلهة القمر كانت محقة عندما قالت إن هذه الفتاة ستصبح وطننا." نظرت إلى أفيني النائمة بين ذراعي للحظات قبل أن أبتسم ابتسامة صغيرة. "أعتقد ذلك أيضًا." تنهد بلاك هذه المرة وكأنه استسلم أخيرًا للحقيقة التي كان ينكرها لسنوات. "حسنًا، سأعترف بشيء أخير." "ما هو؟" "أنا أيضًا أحب رفيقتنا الصغيرة." ضحكت بخفة وأنا أغلق عيني أخيرًا. وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لم يكن هناك ما يشغل تفكيري سوى شيء واحد فقط... أن الغد سيكون أجمل ما دامت بجانبي.من وجهة نظر نيرو كانت حديقة القصر هادئة بشكل غريب. على عكس ضجيج المعارك والأيام الماضية، لم يكن هناك سوى صوت الرياح وهي تحرك أوراق الأشجار، ورائحة الزهور التي انتشرت في المكان. كنت جالسًا تحت إحدى الأشجار الكبيرة، بينما كانت ثيا بجانبي. كانت رأسها مستندة إلى صدري، وعيناها مغمضتان بهدوء، بينما كنت أعبث بخصلات شعرها البني الطويل بلا وعي. لم أكن أظن أنني سأصل إلى هذه اللحظة يومًا. أنا الذي قضيت معظم حياتي أهرب من ماضيي... أصبحت الآن أملك مكانًا أشعر فيه بالراحة. ابتسمت قليلًا وأنا أنظر إليها. لكن اللحظة الهادئة لم تستمر طويلًا. "اح... اح... اح." تجمدت في مكاني. فتحت ثيا عينيها بسرعة، ثم احمر وجهها عندما رأت لايرس واقفًا أمامنا وهو يحاول إخفاء ابتسامته. "جلالتك..." قالتها ثيا بإحراج وهي تعدل جلستها بسرعة. رفع لايرس حاجبه. "يبدو أنني أتيت في وقت غير مناسب." "لا!" قالتها ثيا بسرعة جعلتني أضحك قليلًا. نظرت إليها، فازدادت حمرة وجهها. قال لايرس بهدوء: "ثيا، هل تتركينا قليلًا؟ أريد التحدث مع نيرو." أومأت برأسها بسرعة، ثم نهضت وغادرت الحديقة وهي تحاول ألا تنظر إلينا. تابعت
من وجهة نظر لايرس بعد أن انتهى الحديث مع الآن، لم أجد نفسي متجهًا إلى قاعة العرش أو غرفة التخطيط... بل إلى جناحي. كان هناك شيء واحد يشغل تفكيري أكثر من الرجل ذي الشعر الأبيض، وأكثر من المارقين. أفيني. فتحت الباب بهدوء، ودخلت الغرفة. كانت لا تزال غارقة في نوم عميق، وكأنها لم تشعر بكل ما حدث خارج القصر. اقتربت منها وجلست بجانب السرير. كانت ملامحها هادئة بشكل غريب، بعيدًا عن تلك الفتاة التي تملأ المكان بالحركة والأسئلة. قال بلاك داخل عقلي: "إنها تثق بك كثيرًا." نظرت إليها للحظات. "أعرف." "ولهذا أنت خائف." لم أجب. لأن بلاك كان محقًا. أفيني لم تعد مجرد شخص أحميه... بل أصبحت جزءًا من حياتي. وبينما كنت أفكر، تحركت فجأة. فتحت عينيها ببطء، وكأنها تحاول معرفة أين هي. وما إن رأتني حتى ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم مدت يدها نحوي وتمسكت بي قبل أن تعود للنوم مجددًا. تجمدت للحظة. ثم تنهدت بهدوء. حتى وهي نصف نائمة... ما زالت تعرف كيف تجعلني أتوقف عن التفكير. بعد دقائق، بدأت تتمتم بكلمات غير واضحة. نظرت إليها باستغراب. "ماذا تقولين؟" لكنها لم تجب، فقط
من وجهة نظر لايرس وصلنا إلى بوابات نايت فورد قبل بزوغ الفجر بقليل. كانت السماء لا تزال ملبدة بالغيوم، بينما غطى الضباب الأبيض أسوار القصر والمدينة، حتى بدت المملكة وكأنها تستيقظ على أنفاس حربٍ جديدة. ما إن فتحت البوابات الحديدية الضخمة حتى اصطف الحراس على الجانبين. "المجد لملك اليكان!" لم ألتفت إليهم. كانت عيناي تراقبان العربات التي تحمل المصابين، ثم الأسرى المقيدين بالسلاسل الحديدية. تقدم الآن حتى أصبح بمحاذاتي. "أُرسل الأسرى مباشرة إلى الزنزانات؟" هززت رأسي. "لا." نظر إلي باستغراب. "أريد فصلهم." "فصلهم؟" "كل واحد في زنزانة منفصلة." عقد الآن حاجبيه. "تظن أنهم تدربوا على عدم الكلام." أجبته ببرود: "لا." توقفت لحظة. "لكنني أريد أن أعرف من منهم سيكسر صمته أولًا." ابتسم الآن ابتسامة خفيفة. كان يعرف جيدًا أنني لا أحب التعذيب... لكنني أجيد قراءة البشر. وأحيانًا... الصمت يخبرني أكثر من الكلمات. دخلنا ساحة القصر، وسرعان ما بدأ الجنود ينقلون المصابين إلى المعالجين، بينما اقتيد الأسرى إلى الأقبية الحجرية تحت القصر. راقبتهم حتى اختفى آخر واحد منهم خلف الأبواب الحديدية.
من وجهة نظر لايرس. من وجهة نظر لايرس لم أُبعد نظري عنه. حتى وهو يقف بعيدًا بين ظلال الأشجار، كنت أشعر بذلك الضغط الغريب الذي يحيط به، وكأن الظلام نفسه يلتف حول قدميه. قال بلاك داخل عقلي بصوت منخفض: "لقد رأيته من قبل." عقدت حاجبي. "وأنا أيضًا..." لكن أين؟ رفع الرجل يده ببطء، ثم خلع القناع الذي كان يغطي نصف وجهه. وفي اللحظة نفسها... تجمدت في مكاني. شعر أبيض طويل تداعب خصلاته الرياح. وعينان حمراوان تلمعان بطريقة لم أرَ مثلها إلا مرة واحدة. همس بلاك: "إنه هو..." عاد ذلك المشهد إلى ذهني دفعة واحدة. ليلة الاحتفال. اختفاء أفيني. الرائحة الغريبة التي بقيت في المكان. وذلك الرجل الذي تمكن من التسلل إلى داخل القصر دون أن يشعر به أحد. ضغطت على مقبض سيفي بقوة. "أنت..." ابتسم الرجل ابتسامة باردة. "أخيرًا تذكرتني." قالها وكأنه يستمتع بكل لحظة. ثم أضاف بهدوء: "كنت أظن أن ملك اليكان يتمتع بذاكرة أفضل." قال الآن وهو يقترب خطوة مني: "هل تعرفه؟" لم أُجب مباشرة. كنت أحدق فيه فقط. ذلك الوجه... وتلك العينان... لا يمكن أن أنساهما. هو نفسه الذي اقترب من أفيني. وهو نفسه الذي
من وجهة نظر لايرس لفَّ الليل غابات مونريف بستاره الأسود، ولم يكن يُسمع سوى صوت الرياح وهي تعبر بين الأشجار العملاقة. كانت القافلة تتحرك ببطء فوق الطريق الترابي. عربتان محملتان بأكياس الحبوب، يحيط بهما عدد قليل من الجنود، تمامًا كما أردنا أن يبدو المشهد. أي شخص يراقب من بعيد سيعتقد أنها مجرد قافلة اعتيادية. لكن الحقيقة... أن أكثر من مئة وخمسين مقاتلًا من نخبة جيش اليكان كانوا مختبئين بين الأشجار، ينتظرون إشارتي. وقفت فوق إحدى الصخور المرتفعة، أراقب الطريق بصمت. إلى جانبي كان الآن يحدق في الغابة بعينين لا تفوتهما حركة. همس: "هل تظن أنهم سيأتون؟" أجبته دون أن أرفع نظري. "بل هم هنا بالفعل." ساد الصمت. وبعد ثوانٍ... بدأت الطيور تحلق فجأة من بين الأشجار. ابتسم بلاك داخل عقلي. "بدأت الرقصة." وفي اللحظة التالية... اخترق سهم الهواء ليستقر في صدر أحد الجنود الذين يرافقون القافلة. صرخة واحدة فقط... ثم انفجرت الغابة بالحركة. خرج عشرات الرجال المقنعين من بين الأشجار وهم يصرخون، يحملون السيوف والفؤوس والأقواس. "هاجموا!" اندفعوا نحو القافلة بسرعة هائلة. أما الجنود الذين كانو
من وجهة نظر لايرس. لم يبقَ في قاعة الاجتماعات سوى أنا والآن بعد انصراف بقية القادة لتنفيذ الأوامر. ساد الصمت لثوانٍ، ولم يُسمع سوى صوت المطر الخفيف الذي بدأ يطرق نوافذ القصر. وقفت أمام الخريطة مرة أخرى، أحدق في الطرق المؤدية إلى مونريف. لم تكن المشكلة في المارقين. بل في الشخص الذي يحركهم. كل خطوة قاموا بها خلال الأسابيع الماضية كانت مدروسة بعناية؛ يضربون القرى التي تغذي المملكة، يهاجمون القوافل دون سرقة معظم حمولتها، ثم يختفون قبل وصول الجيش. لم يكن هدفهم الغنائم... كانوا يريدون زرع الخوف. تحدث بلاك داخل عقلي بصوته العميق. "إنهم يختبرونك." أجبته بصمت. "وأنا سأجعلهم يندمون على ذلك." رفع الآن إحدى اللفافات ووضعها أمامي. "فرق الاستطلاع جاهزة." "الجناح الغربي؟" "تم إخلاؤه من المدنيين." "الحرس؟" "ضاعفنا عددهم حول القرى." أومأت برأسي. "جيد." لكن قبل أن أتابع، قلت بهدوء: "هناك أمر آخر." نظر إلي الآن منتظرًا. "لن تعرف أفيني شيئًا." ابتسم ابتسامة خفيفة. "كنت أعلم أنك ستقول ذلك." اقتربت من النافذة وأنا أراقب أضواء القصر البعيدة. "إن علمت بما يحدث..." تنهدت بهدوء. "
هيفان تسللت خيوط الصباح الباردة عبر النافذة المكسورة في ذلك الكوخ الصغير وسط الغابة، بينما بقي كل شيء هادئًا بشكل غريب بعد ليلة مليئة بالفوضى والمشاعر التي قلبت عالمي بالكامل. فتحت عيني ببطء. ولأول مرة منذ سنوات طويلة… لم أشعر بثقل الوحدة المعتاد. خفضت نظري مباشرة نحو الفتاة النائمة فوق
هرلين بقيت أنفاسي متقطعة وأنا أشعر بقرب هيفان مني، بينما دفء ذراعيه حولي جعل جسدي كله يرتجف بتوتر غريب. قبلته الأخيرة ما تزال تحرق شفتيّ، ونظراته نحوي كانت كافية لتجعل قلبي يضيع بالكامل. اقترب أكثر، ثم دفن وجهه قرب عنقي للحظة، وكأنه يحاول تهدئة نفسه. أما أنا… فكنت أتمسك بقميصه دون وعي، و
هرلين بقيت أبكي للحظات طويلة وأنا أتمسك بـ هيفان وكأنني أخاف أن يختفي إذا تركته. ذراعاه كانتا تحيطان بي بقوة ودفء، وصوت أنفاسه الهادئة قرب أذني جعل الخوف الذي مزقني قبل قليل يبدأ بالاختفاء تدريجيًا. حتى جوليا، التي كانت مذعورة منذ استيقظت في ذلك المكان، بدأت تهدأ أخيرًا. دفنت وجهي أكثر في صدره
هيفان الثلج كان يتطاير بعنف تحت قدمي وأنا أركض عبر الغابة المظلمة المحيطة بـ سيلفرا. مر وقت طويل جدًا منذ بدأت البحث عنها. طويل لدرجة أن شيئًا ثقيلًا بدأ يستقر داخل صدري. الخوف. لم أكن أريد الاعتراف بذلك، لكن كل دقيقة تمر دون أن أجد هرلين كانت تدفعني أكثر نحو الجنون. بعد أن عبرت النهر الفاصل







