Masukمن وجهة نظر زاك
كنت لا أزال غير قادر على تصدق... أنها تقف أمامي. أبنتي. جوهرتي. صغيرة المدللاة. كلما نظرت إليها... خفت أن تختفي. أن أرمش بعيني... فأستيقظ من حلم آخر. وقفت لافندر في منتصف القاعة، تنظر إلى الجميع بعينيها اللتين اشتقت إليهما خمس سنوات كاملة. كانت تبتسم... لكن الدموع لم تتوقف عن الانهمار. أما أنا... فلم أستطع أن أرفع عيني عنها. اقتربت منها ببطء. مددت يدي... وترددت للحظة. كنت أخشى أن ألمسها... فتتلاشى. لاحظت ترددي. فابتسمت ابتسامة صغيرة. ثم أمسكت يدي بنفسها. وضعتها على خدها. وقالت بصوت مرتجف. "أنا هنا يا أبي..." "هذه المرة... أنا فعلًا هنا." انكسرت كل القوة التي كنت أتشبث بها. وضممتها إلي بقوة. أغلقت عيني. وأخذت أتنفس رائحة شعرها. رائحة ابنتي... التي ظننت أنني فقدتها إلى الأبد. وقفت لينيا بجانبنا. كانت تبكي بصمت وهي تربت على ظهر لافندر. أما هرلين... فكانت تمسح دموعها كل بضع ثوانٍ. حتى هيفان، الذي نادرًا ما يُظهر مشاعره، كان ينظر إلى المشهد بابتسامة هادئة. لوكا اقترب وهو يضحك رغم احمرار عينيه. وقال وهو يحاول كسر الجو الحزين: "الحمد للألها..." "رجعتِ أخيرًا." ابتسمت لافندر له. "اشتقت لكم جميعًا." ضحك لوكا. "وأنا اشتقت للشخص الذي كان يسرق طعامي كلما تركته دقيقة." ضحكت لافندر لأول مرة منذ عودتها. فقال لوكا مبتسمًا: "ها هي الضحكة التي افتقدناها." في تلك اللحظة... اقتربت إيفونا. كانت تنظر إلى لافندر طويلًا. ثم ابتسمت بحنان. وقالت: "تعرفين..." رفعت لافندر رأسها إليها. "حين كنتِ أنجلي..." "كنت أقول دائمًا إن هذه الفتاة جميلة بطريقة غريبة." ابتسمت وهي تمسح دمعة من خد لافندر. "لكن الآن..." "بعد أن عادت لافندر الحقيقية..." ضحكت بخفة. "...أصبحتِ أجمل بكثير." احمر وجه لافندر. وقالت بخجل: "إيفونا..." فابتسمت الأخيرة، وضمتها برفق. "أهلًا بعودتك." ساد الهدوء من جديد. نظرت إلى ابنتي. ثم انخفضت عيناي إلى الأرض. شعرت بثقل هائل في صدري. همست بصوت بالكاد خرج: "سامحيني..." رفعت رأسها بسرعة. لكنني أكملت: "سامحيني..." "لم أستطع حمايتك." "كنتِ أمام عيني طوال هذا الوقت..." "وأنا..." "...لم أعرف أنك ابنتي." ارتجف صوتي. "كنت أبحث عنك في كل مكان..." "بينما كنتِ قريبة مني." شعرت بدموعي تسقط دون أن أقاومها. "أنا فشلت كأب." لم أستطع إكمال كلامي. لكن فجأة... شعرت بذراعين تلتفان حولي. كانت لافندر. عانقتني بقوة. وهزت رأسها بسرعة وهي تبكي. "لا..." "لا تقل هذا." رفعت وجهها نحوي. وعيناها ممتلئتان بالدموع. "أنت لم تفشل." "أنا أعرف..." "لو كنت تعرف أنني أنا..." "...لكنت حطمت العالم كله حتى تجدني." شهقت وهي تبكي أكثر. "لذلك..." "لا تلُم نفسك." وضعت يدها على صدري. "أنا لم أفقد أبي." "كنت أراه كل يوم..." "حتى وأنا لا أتذكر أنني ابنته." اختنق صوتها. "كنت أشعر بالأمان عندما تكون قريبًا..." "رغم أنني لم أعرف السبب." شعرت بأنفاسي تتقطع. فضممتها مرة أخرى. وأغمضت عيني. في تلك اللحظة... أدركت أن الآلهة... رغم كل ما أخذته منا... أعادت إلينا أعظم هدية. ابنتنا. لكن... بينما كنت أنظر إلى وجوههم السعيدة... عاد إلى ذهني وجه واحد. إيثان. ذلك الشاب... الذي كان من المفترض أن يكون عدوي. لكنه أعاد إلي ابنتي. وحماها. ضحيتُ بالكثير في حياتي... لكنني كنت أعرف جيدًا.. أن الأشخاص الذين يفعلون الخير في وقت يستطيعون فيه اختيار الشر... لا يُنسى فضلهم. رفعت بصري نحو السماء. وهمست في داخلي: "أتمنى... أن تكون بخير يا إيثان." لكن في أعماقي... كان هناك شعور ثقيل... كأن شيئًا سيئًا... قد بدأ بالفعل. وبينما كانت العائلة تجتمع حول لافندر، تبادل الجميع النظرات المليئة بالارتياح.من وجهة نظر أفيني. جلست أمام المرآة الذهبية داخل غرفة لايرس، أمرر المشط بين خصلات شعري الأسود بشرود واضح. كان الليل قد بدأ يلقي بظلاله على أرجاء القصر، بينما كانت أفكاري لا تزال عالقة عند نيرو. مر أسبوعان كاملان منذ أن أرسل لايرس نخبة من رجاله للبحث عنه في الممالك والقرى المجاورة، لكن دون أي أثر له. تنهدت بهدوء وأنا أتساءل إن كان بخير، وإن كان يأكل جيدًا أو إن كان قد أصيب بأذى أثناء رحلته. وفجأة، شعرت بذراعين قويتين تلتفان حول خصري من الخلف. تجمدت للحظة قبل أن أبتسم بخجل عندما غمرتني رائحته المميزة. كان لايرس. دفن وجهه بين خصلات شعري وتنهد بهدوء وكأنه كان يبحث عن راحته بعد يوم طويل من أعمال المملكة. "بماذا تفكرين؟" سأل بصوته العميق الهادئ. وضعت يدي فوق يديه وأنا أجيب بهمس: "ما زلت أفكر في نيرو. لقد مر وقت طويل وما زلنا لا نعرف أين هو." أدارني برفق حتى أصبحت أقف أمامه، ثم رفع وجهي بين يديه ونظر مباشرة إلى عيني. "أفيني، لقد وعدتك أنني سأجده." ابتسمت له بحنان وأنا أومئ برأسي. "وأنا أثق بك." لانت ملامحه قليلًا وهو يسمع إجابتي، ثم ابتسم تلك الابتسامة الصغيرة التي أصبحت قادر
من وجهة نظر نيرو. لم أكن أعتقد أنني سأقضي بقية هذا اليوم وأنا أبحث عن خطيبتي التي هربت إلى الغابة بعد أن قبلتني أمام القرية بأكملها. لكن ها أنا ذا. سرت بين الأشجار وأنا أحاول كتم ابتسامتي كلما تذكرت وجهها الأحمر قبل أن تهرب وكأنها ارتكبت أكبر جريمة في التاريخ. "أعتقد أننا يجب أن نتركها تعيش هنا عدة أيام حتى تهدأ." قال جاك بسخرية داخل عقلي. ضحكت بخفة وأنا أجيب: "إذا تركناها يومًا كاملًا، ستبني لنفسها منزلًا فوق إحدى الأشجار." وبعد عدة دقائق من البحث، بدأت أشم رائحتها تقترب شيئًا فشيئًا. كانت تجلس فوق صخرة صغيرة قرب النهر وهي تدفن وجهها بين ركبتيها. اقتربت منها بهدوء وجلست بجانبها. "هل انتهى اختباؤك؟" شهقت بخفة عندما سمعت صوتي قبل أن تخفي وجهها أكثر. "أرجوك ارحل! لا أستطيع النظر في وجهك مجددًا!" ضحكت بصوت مرتفع هذه المرة. "لقد أصبحت خطيبتي منذ أقل من ساعة، لا يمكنكِ الاختباء مني إلى الأبد." رفعت رأسها قليلًا وقالت بخجل شديد: "لقد قبلتك أمام الجميع!" "وهل هذا شيء سيئ؟" "بالنسبة لفتاة خجولة مثلي؟ إنه كارثة!" ضحكت وأنا أمسك يدها بلطف. "أما بالنسبة لي، فهو أجمل شيء حدث
من وجهة نظر نيرو. عدنا إلى ساحة المهرجان بعد أن تمكنت أخيرًا من إقناع ثيا بالتوقف عن الهرب مني كلما تحدثت عن مشاعري تجاهها، رغم أن وجهها ظل أحمر اللون طوال الطريق. كانت تمشي بجانبي بصمت، وكلما نظرت إليها وجدتها تخفض رأسها وتحاول إخفاء ابتسامتها الصغيرة. أما أنا، فلم أستطع التوقف عن الابتسام. عندما وصلنا، كانت المرحلة الأخيرة من المسابقة على وشك أن تبدأ. تجمع أهل القرية حول الساحة الرئيسية بحماس، بينما وقف المتسابقون الأربعة الذين تمكنوا من الوصول إلى الجولة النهائية. همست ميريل وهي تقترب منا: "أعتقد أنني سأبدأ بالاستعداد لحفل زفاف قريب." "جـدتي!" احمر وجه ثيا أكثر حتى ظننت أنها ستنفجر من الخجل. أما أنا، فقد ضحكت بهدوء قبل أن أتجه نحو ساحة المنافسة. كانت المرحلة الأخيرة عبارة عن قتال ودي باستخدام السيوف الخشبية، واختبار للقدرة على التحمل والسرعة. في الماضي، كنت أتدرب منذ طفولتي داخل قصر نورفاي، لذلك لم تكن هذه الاختبارات صعبة بالنسبة لي. بل كنت أستمتع بها أكثر لأنني كنت أشعر بنظرات ثيا وهي تراقبني بين الحين والآخر. وخلال إحدى الجولات، سقط أحد المتسابقين أرضًا بعد أن تمكنت م
من وجهة نظر نيرو. لم أكن أتوقع أن مهرجان القرية سيكون بهذا الحجم. كانت الساحة الرئيسية مليئة بالأكشاك والأعلام الملونة، بينما تجمع أهل القرية لمشاهدة المسابقات التي تقام كل عام. كان هناك سباقات خيل، والرماية، وحتى مسابقة قتال ودي بين الشباب. أما أنا، فكنت أقف بجانب بعض المتسابقين وأنا أتساءل كيف انتهى بي الأمر بالمشاركة في كل هذا. "أنت بالتأكيد ستفوز." قال جاك داخل عقلي بثقة. وقبل أن أجيب، اقتربت مني فتاة طويلة القامة ذات شعر ذهبي طويل وعيون عسلية جميلة. كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، ومن الواضح أنها لفتت انتباه الجميع بمجرد دخولها. همست إحدى الفتيات الواقفات بالقرب مني: "إنها نارا! أجمل فتاة في القرية." نظرت إليها لثوانٍ قليلة ثم هززت كتفي بلا مبالاة. كانت جميلة فعلًا... لكنها بالنسبة لي كانت مجرد فتاة أخرى. اقتربت مني وهي تبتسم بخجل. "إذن أنت نيرو؟" ابتسمت لها بأدب. "نعم." "لقد سمعت الكثير عنك، ويبدو أن جميع فتيات القرية يشجعنك اليوم." ابتسمت بخفة وأنا أجيبها، لكن فجأة شعرت بألم مرعب في قدمي جعلني أتوقف عن الكلام. نظرت إلى الأسفل بسرعة. وكانت ثيا. كانت تدعس على ق
من وجهة نظر نيرو. لو أخبرني أحد قبل عدة أشهر أنني سأقف يومًا في إسطبل صغير داخل مزرعة بعيدة وأنا أقبل فتاة خجولة أمام جدتها، لكنت ظننت أنه فقد عقله. أما الآن؟ فأنا أفكر أن حياتي أصبحت أكثر غرابة مما توقعت. بعد أن غادرت ثيا هاربة وهي تخفي وجهها بين يديها، بقيت واقفًا مكاني وأنا أحاول استيعاب ما حدث للتو. تنهدت وأنا أمرر يدي بين شعري. "لقد قبلتها فعلًا." قال جاك داخل عقلي بسعادة وكأنه فاز بحرب كاملة. "وأخيرًا! ظننت أنك ستنتظر عشرين عامًا أخرى!" ضحكت بخفة قبل أن أعود إلى عملي داخل الإسطبل. مر اليوم بسرعة غريبة. كنت أساعد ميريل في أعمال المزرعة، وأصلح الأسوار الخشبية، وأعتني بالأحصنة، بل وأصبحت أعرف أيها يفضل أن يتمسح برأسي وأيها يحاول عض يدي كلما اقتربت منه. لكن الشيء الوحيد الذي لم أستطع التوقف عن التفكير به... كان ثيا. كلما نظرت إليها كنت أشعر أنني لا أريد الرحيل عن هذا المكان أبدًا. وهذا ما كان يخيفني أكثر. لأنني لم أنس سبب وجودي هنا. أفيني ما زالت بعيدة عني، وأنا أقسمت أن أعيدها مهما حدث. وفجأة تذكرت كلام ثيا في الأيام الماضية عندما سألتني إذا كنت سأ
من وجهة نظر ثيا. كنت أعتقد أن هذا الصباح سيكون هادئًا. لكنني بدأت أتعلم شيئًا واحدًا عن نيرو... معه، الهدوء لا يستمر طويلًا. خرجت من المنزل وأنا أحمل دلوًا من الماء متجهة نحو الإسطبل. كان الجو لطيفًا، والشمس بدأت ترتفع فوق الحقول، بينما كانت أصوات الأحصنة تملأ المكان. وجدت نيرو هناك. كان يقف بجانب أحد الأحصنة وهو يمسح فراءه بهدوء، وكأنه لا يوجد شيء في العالم يمكن أن يزعجه. توقفت للحظة وأنا أراقبه. من الغريب كيف تغير وجوده في حياتي كل شيء. قبل أن يأتي، كان هذا المكان مجرد مزرعة صغيرة أعيش فيها مع جدتي. أما الآن... فأصبحت أبحث عنه بعيني دون أن أشعر. هززت رأسي بسرعة لطرد أفكاري واقتربت منه. "أحضرت لك الماء." التفت إلي بابتسامة. "كنت أعلم أنكِ ستأتين." رفعت حاجبي. "وكيف عرفت؟" أشار إلى الدلو في يدي. "لأنك لا تستطيعين ترك أي شخص يعمل دون أن تهتمي به." احمر وجهي قليلًا. "أنا فقط لا أريدك أن تتعب." ابتسم، وكأنه كان ينتظر سماع هذه الجملة. قبل أن أستطيع الرد، سمعنا صوت حركة قوية من خلفنا. التفتنا معًا. كان أحد شباب القرية يدخل إلى المزرعة وهو يمتطي حصانًا بنيًا قويًا.
الكاتب… بعد انتهاء العشاء… بقي الجميع مجتمعين لبعض الوقت داخل القاعة الكبرى. ضحكات خفيفة… أحاديث هادئة… وصوت لافندر وهي تزعج الجميع كعادتها لكن بعد مدة… انسحب إيفان ولوكا إلى إحدى الشرفات الجانبية. كان الليل هادئًا… والقمر يضيء غابات نورفاي البعيدة. جلس لوكا على حافة السور الحجري وهو يش
الراوي داخل أقبية قصر نورفاي، كان الهدوء يلف المكان… لكن ليس بالكامل. كانت لافندر منغمسة في الكتاب القديم، تقلب صفحاته بسرعة وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة. بينما كان إيفان يقف خلفها، ذراعيه متقاطعتان، ينظر إليها بملل واضح. حتى ذئبه الداخلي “إيف” ظهر في وعيه وهو يتنهد: — “مصاصو الدماء هؤلاء… سيج
الراوي مرت عشرون سنة على كل ما حدث… وتغيرت أشياء كثيرة داخل نورفاي. كبر الأطفال… وأصبح القصر أكثر صخبًا من أي وقت مضى. وفي أعماق غابة نورفاي… كان صوت القتال يهز الأشجار. قفز ذئب أبيض ضخم بسرعة مرعبة نحو هيفان بينما هاجمه ذئب رمادي من الخلف مباشرة. لكن هيفان فقط ابتسم ببرود. وفي اللحظة الت
لينيا مرت الأشهر بسرعة غريبة… وكل شيء داخل قصر نورفاي أصبح مليئًا بالحياة من جديد. خصوصًا بعد ولادة إيفان. كان صغيرًا جدًا… لكنّه بالفعل يملك هيبة ألفا حقيقية حتى هيفان كان يتحول لشخص مختلف تمامًا قربه. أما هرلين؟ فكانت متعلقة بابنها بطريقة جعلتني أبتسم كلما رأيتها. وأحيانًا كن







